"التحول" لفرانز كافكا بترجمة الشاعر مبارك وساط

1:32:00 ص

تصدر قريباً عن منشورات الجمل ترجمة جديدة لرواية "التحول" لفرانز كافكا، ترجمة الشاعر المغربي مبارك وساط، هنا مقطع منها ينشر بالاذن من الشاعر خالد المعالي...



ـ I ـ

   إذ استيقظ غريغور سامسا ذات صباح، على إثر أحلامٍ سادها الاضطراب، وجد أنّهُ قد تحوّل، وهو في سريره، إلى حشرة عملاقة. كان مستلقياً على ظهره، الصُّلب مثلما درع، ولمّا رفع رأسه قليلا، رأى كرشه، منتفخة، داكنة، تُجزِّئها خطوط مقوّسة جاسية، والغطاء بالكاد ممدود على أعلاها، ويكاد أن ينزلق عنها كلية. وكانتْ قوائمه العديدة، والدّقيقة بشكل فادح، بالنّظر إلى ضخامة بدنه، ما تنفكّ تهتزّ، في حركة يراها ولا يستطيع إزاءها شيئاً.
   فكَّرَ: "ما الذي حدث لي؟". لم يكن الأمر حلما. فغُرفَتُه، وهي غرفةُ إنسان حقيقيّة، وإنْ تكُنْ شديدةَ الصِّغر نوعا ما، كانت قابعة في مكانِها، مطمئنّةً بين الجدران الأربعة التي يعرفها جيّدا. وفي أعلى الطّاولة التي نُثِر عليها محتوى مجموعةٍ مفتوحة من عيّناتِ أصناف النسيج – فسامسا كان مُنْتَدَباً تجاريّاً جوَّالا – كانت باديةً الصّورةُ التي اقتطعها، حديثاً، من مجلّة، وجعل لها إطاراً جميلا مُذَهَّباً. وتبدو فيها سيِّدة تضعُ قبّعةً ووشاحاً للرّقبة، كلاهُما من فَرْو، وهي مستقيمةٌ جيّداً في جلستها، وتمدُّ نحو الرّائي أسطوانةً جسيمة من فَرْو أَثِيث، هي كُمّ مستقلٌّ ينحشرُ فيه ساعدُهَا بأكْمَلِه.
   ثمّ توجّه ناظرا غريغور إلى النّافذة. الجوّ المكفهرّ – كان وقعُ قطرات المطر على توتياء حافة النّافذة مسموعاً-  سبّبَ له كآبةً عارمة. "لِمَ لا أنام قليلا مرّةً ثانية وأنسى كلّ هذه الأمور الخرقاء؟"، قال في نفسه؛ لكنَّ ذلك كان غيرَ قابلٍ بتاتاً للتّحقُّق، فَهُوَ كان قد اعتاد التمدّد على جنْبِه الأيمن لينام، وهذا قد صار مستحيلا في حالته الرّاهنة. فمهما كان يبذُلُ من طاقة لِينقلبَ على جنبه الأيمن، فإنّه كان يتهزهز مترجّحاً ومن جديد يسقطُ على ظَهْره. ولا شكّ أنّه حاولَ مئة مرّة، مُغْلقاً عينيه لِئَلا يرى مشهدَ قوائمه في حركتها الرّاعشة، ولم يَكُفَّ إلا حين أحسَّ ببعض الألم الذي لا حِدّة فيه، والذي لم يسبق له من قبل أن استشعره.
   "آه، يا إلهي"، قال في نفسِه، "أيّ مهنة متعبة قد اخترت! جَوَلانٌ، يوماً بعد يوم. وعمليّاتُ البيع تُثيرُ الأعصاب أكثرَ بكثير ممّا لو كانتْ في مقرّ الشّركة نفسِه، وزيادةً على هذا، فإنّ عليّ أن أحتملَ نَكَدَ التّنقّل، والهواجسَ المتعلّقة بوسيلة النّقل التي ينبغي أنْ تقطعَ بي المسافة ما بين قطارٍ أنزلُ منه وآخر يكون عليّ أن ألحق به، وعدمَ انتظام الوجبات ورداءتَها، والنّاسَ الذين تتعامل معهم والذين يتغيّرون باستمرار وبسرعة ولا تَتَكوّنُ لديهم مودّة تجاهك أبداً. فليذهب الشّيطان بكلّ هذا!". أحسّ بِحِكّة خفيفة في أعلى كرشه. تجرجر ببطء على ظهره نحو رأس السرير حتى يتمكّن من رفع رأسه بشكل أفضل، وبدت له البقعة التي شعَرَ فيها بالحِكّة والتي تناثرتْ على كاملِ مساحتها نقطٌ بيضاءُ صغيرة لم يستطع تكوينَ فكرة بصددها. رغب بجسّها بإحدى القوائم. لكنّه سحب القائمة بمجرّد ما لمست ذلك الموضع، إذْ بعثتْ تلك اللَّمسة رعدةً باردة في كامل بدنه. 
   انزلق وعاد إلى وضعه السّابق. "لفرط ما يستيقظ المرء باكراً"، قال في نفسِه: "يصبح غبيّاً كُلّية. فالكائن البشري في حاجة إلى النّوم كفايةً. منتدبون تجاريون آخرون يعيشون مثل نساءٍ في حريم. وعلى سبيل المثال، فحين أعود أنا إلى الفندق خِلالَ الصّبيحة، لأقيِّد الطّلبات التي قُدِّمَتْ لي، يكون هؤلاء السّادة ما يزالون بَعْدُ منشغلين بإفطارهم. رُبّما يكونُ عليّ أن أجرِّب مثلَ تصرّفهم هذا مع ربّ العمل؛ ووقتَها، سَأُطرد على الفور. ومن يدري، فلعَلّ هذا يكونُ أمراً ممتازاً بالنّسبة إليّ. فإنّي، لو لم أَتَحَكَّمْ في نفسي، آخِذاً والديّ بعين الاعتبار، لكنتُ قدَّمتُ استقالتي منذ وقت طويل. كنتُ سأمضي إلى حيثُ ربُّ العمل وأنْبئه من أعماق القلب بما يعتلجُ في ذهني. ذاك كان سيجعله يسقط من فوق نَضَده! يَجِبُ القول بأنّه ليس من اللياقة أنْ يجلسَ ربُّ العمل فوق النّضد ويتحدّث من علو إلى المستخدَم، الذي يجد نفسه مضطرّاً أيضا للدّنوّ منه إلى أقصى ما يستطيع، إذ إنّ ربَّ العمل ثقيلُ السّمع. على أيّ حال، فأنا لم أتخلّ عن كلّ أمل؛ وبمجرّد ما أكون قد جمعت المال اللازم لأداءِ ما يدين له به والداي – وهذا سيتطلّب حسب تقديري ما بين خمس وستّ سنوات أخرى – سأقوم، بلا جدال، بما يلزم. وَبِذلكَ أُنْجِزُ الانفصال الكبير. لكن الآن، على أيّ حال، ينبغي أن أنهض، فالقطار الذي يُقِلّني ينطلق في الخامسة".
    واتّجه ببصره إلى الساعة المُنبّهة التي كانت تَكْتَكَتُها تُسمع من فوق الخزانة. "يا ربّ السّماء!"، قال في نفسِه. لقد كان العقربان يشيران إلى السّادسة والنّصف، وكانا يتقدّمان في أناة. بل إنّ النّصف بعد السّادسة تمّ تجاوزه، ويتمّ الاقتراب من السّابعة إلا ربعا. أتُراهُ المنبّه لم يرنّ؟ من السّرير كان باديا للعيان أنّ المنبّه ضُبِطَ كما يَجِب ليرنّ مع الرّابعة، وما من شكٍّ في أنّهُ قد رنّ. نعم، لكنْ أكان ممكناً عدمُ سماع ذلك الرّنين الذي يمكنه أن يجعل الأثاث يهتزّ، والاستمرارُ في النّوم باطمئنان؟ حقّاً، لم يكن ممكناً القول إنّ نومه كان هانئا، إلا أنّه، بلا شكّ، كان عميقاً. لكن الآن، ما الذي ينبغي فِعلُه؟ فالقطار المُوالي سينطلق في السّابعة؛ ومن أجل اللحاق به، يتوجّب الإسراع بصورة جنونيّة، عِلْماً بأنّ مجموعة العيّنات لمْ تُرْزَمْ بعد، وأنّه، هو نفسُه، بعيدٌ عنْ أن يستشعرَ نشَاطاً حقيقيّاً أو توفُّزاً جِسْمانِيّاً. وحتّى إنْ لحق القطار، فهذا لنْ يُجنِّبه تعنيفَ ربّ العمل، ذلك أنّ مستخدَماً للشّركة سيكون قد انتظره في مكان انطلاق قطار الخامسة، وبلّغ منذ فترة طويلة عن عدم التحاقه. لقد كان ذلك المستخدَم صنيعةً لربّ العمل، خنوعاً وبلا ذكاء. حسنا إذن، فَلِمَ لا يقول إنّه مريض؟ سيسبّب له ذلك حَرَجاً شديدا، وسيجْعَلُهُ مثارَ ريبة. فغريغور، طيلة السّنوات الخمس التي اشتغل خلالها بعمله هذا، لم يمرضْ ولا مرّة واحدة. أكيدٌ أنّ ربّ العمل سيجيء، وبرفقته طبيب صندوق التّأمين الصّحّي، وأنّه سيُنحي باللائمة على والديه بسبب تكاسل ابنهما، مُجْهِزا على كُلّ بادرةِ توضيح بالإحالة إلى طبيب التّأمين الذي يَعْتبر، بصورة مبدئيّة، أنّه لا يوجد إلا أناسٌ في أتمّ الصّحّة والعافية ولكنّهم ميّالون إلى الخمول. مع هذا، هل سيكون الطّبيب مخطئاً حقّاً فيما يخصّ حالته هذه؟ ذلك أنّ غريغور، في الواقع، في ما عدا رغبته الحاضِرة في النّوم التي هي رغبة غير مبرّرة بتاتاً لدى من نام مُطوَّلا مثله، كان يشعر بأنّه في أحسن حال، بل وكانت لديه شهيّة للأكل، قويّة بشكل خاصّ.


خاص الرومي

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا