يوسف حاج علي: "جدتي أقوى من "سوبرمان"

8:34:00 ص
كان ذلك خلال حرب الشوارع في بيروت. العام 1985 أو 1986. لا فرق. دار الباص دورته الاعتيادية لإيصال التلامذة الصغار إلى منازلهم. لكن أمراً ما حصل في ذلك اليوم. أمر كان عادياً خلال فترة الحرب. انتشر المسلّحون المتقاتلون كالمجانين في شوارع المدينة. ارتفعت حدّة الإشتباكات أكثر من أي وقت بين عناصر "حركة أمل" وعناصر "الحزب التقدمي الإشتراكي". فالصراع كان على الجهة التي تتمكن من الس...يطرة على شوارع بيروت وتقبض على قرارها.
لكن أمراً آخر حصل في ذلك اليوم أيضاً. أمرٌ سيرسم ندبة حب في قلب أحد التلامذة الصغار.ندبة ٌسيحملها معه دائماً.
ارتبك سائق الباص أمام هذا المشهد. خاف على حياة الأطفال الصغار بالمراييل الخضراء والحمراء. هذه مسؤولية أكبر منه. أيقن أنه لن يتمكن من إيصالهم إلى منازلهم فقاد باصه نحو حضانة "المدرسة اللبنانية العامة" التي تقع في شارع كليمنصو، في البناء ذاته الذي سكنه "مسرح المدينة" فترة طويلة قبل أن ينتقل إلى شارع الحمراء.
كانوا نحو عشرين طفلاً كبيرهم لا يتعدى الثانية عشرة، وثلاث أو أربع معلمات، وناظرة المدرسة وزوجها، وعاملة التنظيفات. هناك، في الحضانة، أقفلوا على أنفسهم الباب وأًبعدوا الأطفال عن النوافذ اتقاء من رصاص القنص أو قذيفة "أر بي جي" طائشة.
في مكان آخر، ارتدت امرأة خمسينية ثيابها على عجل، عقدت شالها عند العنق، حملت محفظة يد جلدية صغيرة تحوي أوراقها الثبوتية وانطلقت من منزلها في طلعة شحادة من دون أن تخبر أحداً بوجهتها. سارت في الشوارع تحت الرصاص المتطاير غير آبهة بشيء. كانت في مهمّة طارئة.
علمت المرأة أن حفيديها قد علقا مع الأطفال الآخرين في الحضانة. فقرّرت إنقاذهما، تدفعها عاطفة الأمومة النبيلة. بعدما قطعت عدة مناطق، تحت أزيز الرصاص الغزير، أوقفها حاجز للجيش في منطقة الصنائع، المنطقة المحاذية لمنطقة كليمنصو حيث علق المحاصرون الصغار. حاول الجنود إقناعها بالعودة أدراجها لما في ذلك من خطر على حياتها، بسبب الاشتباكات المستمرّة، فرفضت الامتثال لأوامرهم. أصرّت على إنهاء المهمة التي جاءت من أجلها. عند ذلك، وأمام إصرارها، أرغموها على الصعود إلى الشاحنة العسكرية وأعادوها عنوةً إلى منزلها. فعلوا ذلك خوفاً على حياتها غير آبهين بصراخها وشتائمها التي لم تتوقف.
سيمرّ يومان قبل أن تهدأ وتيرة الاشتباكات ويتمكن الأهالي من الوصول إلى الأطفال من أجل إعادتهم إلى المنزل. لكن جدتي الراحلة، أم عبد الله، التي جمعت حبّها وشجاعتها في ذلك اليوم ونزلت لتنقذني أنا وأخي سامر ستظلّ في عينيّ أقوى من "سوبرمان" نفسه.

ستظل دائماً أقوى امرأة في العالم.

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا