متى يعتذر الفلسطينيون لمسيحيي لبنان؟

1:29:00 ص
أحمد عدنان – جريدة العرب
http://www.alarab.co.uk/?id=17735
أكتب هذه السطور، وغزة تتعرض للقصف الإسرائيلي. رمى تنظيم الجهاد في غزة إسرائيل بمفرقعات يسميها “صواريخ”، لترد إسرائيل على غزة كلها بالموت والدمار.
إن أي معاد للقضية الفلسطينية هو عديم الإنسانية، وأي لا مبال بها، إنسانيته موضع نظر وريبة. لكن، هذا الموقف لا يعني موافقة مطلقة على تصرفات بعض الفصائل الفلسطينية أحيانا، وكلها أحيانا أخرى.

منظمة التحرير، حين استضافها الأردن، أعلنت نفسها ندا للدولة الأردنية واعتدت على الجيش الأردني، وانتهى التحدي بمأساة أيلول الأسود عام 1970. وكانت النتيجة تصفية المقاومة الفلسطينية في الأردن.

لم يعد ثمة حضور للسلاح الفلسطيني إلا في لبنان، لكن ياسر عرفات لم يستفد من الدرس الأردني كما يجب، فقد استغل الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها اللبنانيون ليبسط دولة داخل الدولة رغم اتفاق القاهرة- الموقع عام 1969 - الذي نظم الوجود الفلسطيني في لبنان، وتحدت دولة (عرفات) دولة اللبنانيين، فاشتعلت الحرب الأهلية برصاصة فلسطينية حين حاول مسلحون فلسطينيون اغتيال رئيس حزب الكتائب بيار الجميل في 13 أبريل 1975.

حين يمر الحديث عن الحرب الأهلية اللبنانية، تشير الذاكرة إلى مجزرة صبرا وشاتيلا (16-18 سبتمبر 1982) مستهدفة مئات الفلسطينيين العزل من الأطفال والنساء والشيوخ، إثر اغتيال رئيس الجمهورية بشير الجميل. تلك المجزرة اتهم بها جورا حزب الكتائب والقوات اللبنانية التابعة له، لكن المراجع المعتمدة، ككتاب (أسرار حرب لبنان) لآلان مينارغ، وشهادة المعاصرين، كالمفكر المصري أمين المهدي الذي صادف حضوره في المخيم آنذاك لتكون صوره عن المذبحة هي مصدر الوكالات العالمية، كل ذلك يشير إلى ثلاث جهات ارتكبت حصريا تلك المجزرة، وهي: الجيش الإسرائيلي وجيش لبنان الجنوبي بقيادة سعد حداد (ميليشيا عسكرية تديرها مباشرة إسرائيل، كل عناصرها تقريبا من أهل الجنوب اللبناني، قيادتها مسيحية، وأغلبية جنودها من الشيعة) بالدرجة الأولى، وعناصر موالية للقائد القواتي إيلي حبيقة (ولاؤها التام لقائدها، وتتمتع باستقلال نسبي عن القوات اللبنانية) بالدرجة الثانية.

يعتقد المواطن العربي أن المسيحي اللبناني معاد للقضية الفلسطينية، وهذا غير صحيح، فالجبهة الوطنية اللبنانية التي ضمت القوى اليسارية والقومية تحت قيادة كمال جنبلاط (رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي) ساهمت فيها شريحة مسيحية واضحة أبرزها القيادي جورج حاوي. وإذا تجاهلنا هذا الفصيل، وانتقلنا إلى المقلب الآخر، لوجدنا لمؤسس حزب الكتائب بيار الجميل تصريحا معروفا يقول فيه: “لو كنت فلسطينيا لكنت أول فدائي”.

إن الحاجز النفسي الذي يفصل بين بعض مسيحيي لبنان والفلسطينيين، سببه الفلسطينيون أنفسهم، لقد وقع اتفاق القاهرة قائد الجيش اللبناني (المسيحي) إميل بستاني بتوجيه وموافقة الرئيس اللبناني (المسيحي) شارل حلو. في المقابل، كانت الرصاصة الأولى في الحرب الأهلية فلسطينية، وكان المعتدي على الدولة فلسطينيا.

إن أردت أن تدين مجزرة صبرا وشاتيلا، أدن مثلها مجزرة الدامور التي ارتكبها الفلسطينيون في حق بلدة الدامور المسيحية في 20 يناير 1967، وأدن مثلها مجزرة الكرنتينا التي ارتكبتها الجبهة اللبنانية في 18 يناير 1976، وأدن قتال الفلسطينيين مع الجبهة الوطنية ضد لبنانيين آخرين. وأدن قبل ذلك كله انشغال الفلسطينيين عن قضيتهم العادلة وانصرافهم إلى محاولة الاستيلاء على الأردن ثم محاولة الاستيلاء على لبنان وقتالهم للجيش الأردني واللبنانيين- آنذاك- بدلا من الجيش الإسرائيلي. أدن الحرب الأهلية كاملة والمجازر كلها، ولا تأت على طرف وتنس أطرافا. لكن، دائما من أطلق الرصاصة الأولى يقع عليه العتب الأول. على الفلسطينيين أن يقدموا اعتذارا رسميا وشعبيا إلى لبنان وأهله.. أولا.

هذا الانحياز للبنان، لا يعني الموافقة على الحال التي تعيشها المخيمات الفلسطينية. وللأمانة، فإن أول من التفت إلى خطورة الوضع في المخيمات وامتعض من حالتها اللاإنسانية، هو رئيس الجمهورية اللبنانية سليمان فرنجية (1970 - 1976). اجتمع (فرنجية) مع عرفات وأبلغه أن سيصلح حال المخيمات، انتفض عرفات وقال: “لا تفعل، حينها سيركن سكانها إلى الدعة وينصرفون عن القتال، وإذا فعلت شيئا فأنت المسؤول”.

وضع المخيمات الفلسطينية في لبنان انتهى وصمة عار على جبين كل لبناني بلا استثناء لتردي الأوضاع الإنسانية، ووصمة عار على جبين كل فلسطيني بلا استثناء بسبب تحول هذه المخيمات إلى أوكار للفارين من العدالة، ولأنك ستجد في أصغر مخيم 17 فصيلا على الأقل. قد يقول البعض: “لماذا لا تأخذونهم أنتم في العالم العربي؟”، والرد عليهم: “لماذا لا تعلن الدولة طردهم؟”. فكرة المخيم لا تليق إلا بإسرائيل أو بنظام التمييز العنصري البائد في جنوب أفريقيا، ولا يمكن أن تكون المخيمات إلا مصدر قلق وتوترات في ظل تحررها من سلطان الدولة. السلاح الفلسطيني في لبنان لا يمكن أن يتمتع بأية شرعية داخل المخيمات أو خارجها. اللاجئون الفلسطينيون يعيشون خارج لبنان بسلام لأنهم لا يحملون سلاحا، ويخضعون لسلطان الدولة. المطلوب من الفرقاء اللبنانيين شن حرب على السلاح الفلسطيني داخل لبنان بالتوازي مع حربهم على التوطين.

رفض قانون الحقوق المدنية للفلسطينيين في لبنان الذي اقترحه وليد جنبلاط قبل سنوات يعني تكريسا للعنصرية من طرف الساسة اللبنانيين، ودعما للميليشيات في المخيمات، وتشريعا لعبودية الإنسان الفلسطيني لتلك الميليشيات. نعم، لقد ارتكب ياسر عرفات جرائم في حق لبنان، وارتكب الإعلام العربي جريمة أكبر حين ركز على مجزرة “تل الزعتر” ومجزرة “صبرا وشاتيلا” وأغفل الجرائم التي ارتكبها عرفات ورفاقه، ولكن الانتقام من الإنسان الفلسطيني غير مُجد وغير إنساني. الانتقام من التاريخ، في النهاية، ليس إلا انتقاما من النفس.


صحافي سعودي

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا