زهير دبس يكتب عن طرائف "أبو عدنان"

6:04:00 ص

لم تكن مهنته في تطهير الأولاد (مطهّر بالعاميّة) هي الشيء الوحيد الذي ميّز حياة أبو عدنان وجعله واحداً من قلائل مارسوا تلك المهنة التي انقرضت ولم يعد يمارسها أحد، بل شخصيّته المرحة والمحبّة وثقافته الواسعة والحضور القوي وسرعة البديهة، ونشاطه وحركته الدّائمَين، وسيرته الممتلئة أحداثاً وطرائف، وقبل كلّ تلك الخصائص لهجته «الخياميّة» الصافية التي تقطر حبّاً وطيبة.
لم تكن تلك اللهجة هي ما حمله فقط أبو عدنان من بلدته التي أحبّها وعانق ثراها في مثواه الأخير، بل تعلّقه الشديد والمجنون بها، وهو ما شهدت عليه حجارة منزله الذي هدمته إسرائيل حين راح وفور عودته إلى الخيام ووصوله إلى منزله بعد تهجير قسري استمرّ لسنوات خمس، يقلّبها بيدَيه العاريتَين، دون أن ينتظر إلى اليوم التالي ليبدأ ذلك العمل.
لم تكن الخيام وحدها التي عشقها أبو عدنان، بل أيضاً جارتها فلسطين التي كانت على مرمى نظر منها وأصبحت على مرمى عمر تناثر خيبة على مساحته المتعبة والمثقلة بالانكسارات والخيبات.
أبو عدنان الذي قادته قدماه إلى فلسطين وأرضها مرافقاً والده حين كان طفلاً، عادت وقادته قضيّتها مناضلاً من خلال مواقفه وقناعاته في الدفاع عنها وعن حقّ شعبها في استعادتها. فدفع أثماناً باهظة من حياته وحياة عائلته التي لم تكن أقلّ إيماناً وقناعة وصلابة منه.
أبو عدنان الذي كان يفتتح رسائله التي كان يرسلها إلى ابنه حسن في بيروت، والذي كنت أقضي معظم أوقاتي برفقته، بعبارة «لا جديد عن أخيكم»... كان يقصد بها أن لا أخبار جديدة عن ولده الذي يقبع في معتقل بلدته الخيام والذي لا يبعد عن منزله هناك سوى مئات الأمتار فقط، حيث شاءت الأقدار بعد أن تحرّر من الأسر في معتقلات العدو الاسرائيلي أن يقضي في المكان الخطأ.
لكن خلف كلّ تلك المواقف الصلبة التي رافقت مسيرة حياته، كان أبو عدنان يتمتّع بروح النكتة وسرعة الخاطر، وهو ما حصل حين ذهب إلى المرحوم علي العبد في صيدا برفقة ابنه عدنان طالباً للأخير منحة تعليميّة ليتابع تحصيله العلمي في الخارج، وكان المرحوم العبد مسؤولاً لمحافظة الجنوب في الحزب الشيوعي اللبناني نهاية السبعينيّات وأوائل الثمانينيّات، فحدّثه أبو عدنان عن هدفه من الزيارة، وقبل أن ينتظر ردّ العبد عليه قال له أبو عدنان: قبل أن تجيبني على طلبي سأروي لك ما حصل معي في أواسط الخمسينيّات في الكويت حين كنت أعمل ممرّضاً مساعداً لأحد الأطبّاء في مستشفىً للمجانين وإليك ما حصل: «في إحدى المرّات وبينما كان الطبيب يتفقّد أحد مرضاه وأنا أسير خلفه، وبعد أن انتهى من معاينة المريض والاطمئنان إليه بادره قائلاً: «وضعك صار كتير منيح، وما عاد في لزوم تبقى هون.. ذكّرني بكرا حتّى طلّعك من المستشفى»... وما إن أدار الطبيب ظهره، وهمّ بالمسير حتّى بادر المريض بتوجيه إصبعه الوسطى إلى مؤخّرة الطبيب!... فما كان من الأخير إلا أن انتفض صارخاً بوجه مريضه الذي بادره على الفور: عفواً حكيم.. عفواً حكيم، مش قصدي شي بس عم ذكّرك»!... ثم حدّق بعلي العبد قائلاً له «شو بذكّرك»!.. انقلب علي العبد على ظهره من الضحك، وربّما كانت تلك الطرفة التي رواها أبو عدنان لعلي العبد حافزاً في أن يحصل إبنه عدنان على تلك المنحة ويتابع تحصيله العلمي في الخارج ومن ثم يصبح طبيباً ماهراً فيما بعد.

لكنّ طرائف أبو عدنان الكثيرة لا تنتهي، ففي إحدى المرّات التي كان يجول فيها قرى الجنوب وتحديداً الشريط الحدودي بسيّارته البيجو 404 التي يعرفها القاصي والدّاني، وصل إلى قرية حولا، وما إن رأى الأولاد سيّارة أبو عدنان حتّى هربوا تائهين في البراري هائمين على وجوههم خوفاً من مبضعه الذي سيدور فيهم فتكاً وجزّاً. وما إن وصل بسيّارته إلى الساحة وترجّل منها حاملاً شنطته التي تضمّ عدّة «التطهير»، حتّى ركضت باتّجاهه إحدى النساء تستقبله ملهوفة قائلة: «يا بو عدنان يا بو عدنان، دبّرتلّك سبعة شو بيطلعلي»؟ أجابها بو عدنان بظرافته وسرعة خاطره: «بيطلعلك واحد»!!

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا