وضاح شرارة... ولادة أنسي الحاج الشعرية في كنف قَصَص أسطوري وتعليمي إيمائي

3:45:00 ص
وضاح شرارة - ملحق نوافذ(المستقبل)
غشي المشهدُ البدئي، أو الحكاية التي تروي ما كان حين لم يكن بعد «شيء» أو زمن أول، مشاهدَ موت أنسي الحاج ومواقف رحيله. فرجع جمهور المشاهد والمواقف من الكتّاب يومذاك، غداة 18 شباط (2014) الذي وقع فيه رحيله، وفي ايام تالية تطاولت الى اسبوعين او اكثر، الى ما أثبته معظمهم بشارة الولادة والظهور والدعوة والتمكين، والعلامةَ عليها. ونجمة الصبح هذه، على ما لم يشك احد تقريباً من عشرات المتقاطرين على وداع شاعرهم وإنسانهم وصديقهم ومعلمهم وعلى توقيع وداعهم في مدونة مضياف، هي كتاب الراحل «لن» (خريف 1960)، مقدمة وبياناً في «قصيدة النثر» ومتناً او جسداً محققاً دعوى البيان. فحج جمهورُ الكاتبين، على مراتبهم ودرجاتهم وأعمارهم وقراباتهم وشفاعاتهم، الى الينبوع وخزائنه التي لم تنضب بعد، على قولهم، في اعقاب اربعة اعوام وخمسين عاماً، وتستقبل ربما قروناً من التجدد والذراري المولود بعضها من بعض. واحتج الحاجون (أو الحاج، لولا شبهة اللعب باللفظة وعليها) بالمجموعة الشعرية الاولى، وبيان «نوعها المستقل»، لتمام صاحبهم وعبقريته ومقامه من ثورة الشعر (العربي الحديث، على مضض كوني شديد) وثورة الحياة منذ حَبْوه الاول والظاهر. وتمام صاحب «لن» و»لن» (الديوان؟) نفسه، مذ ذاك والى غيب لا علم للناس به، شاهد صادق على جواز تصفح الختام في المطلع، ووصل ذاك بهذا، على ما تصنع الاساطير في حوادث المبتدأ والمعاد وما بينهما.

[«كن»

ويرجو العود على المطلع او المشهد البدئي ألا يكون اسطورياً ولا خطابياً، اي مصدقاً في الاحوال كلها لفكرة في ذهن صاحب القول وصدره وعزائمه، على عسر الامر. وما يحدو الكاتب، الموقع اعلاه، الى عودٍ ينكره على غيره من جمهور كتاب المشاهد والمواقف يشبه باعث الجمهور، على قصد المشهد البدئي، وهو قراءة العلامات والانباء (وفيها النبؤات في اللغة). وما ينقص عودي هو الايمان بالهداية ووعدها، وربما ينقصه الانتظار والاقامة عليه وتعليقه على آتٍ حقٍ (ليس ثمرة تصدع ينشأ عنه الزمن وأوقاته). فبديل مثل هذا الايمان، وزيارة ما يحسبه المؤمنون مهداً، والمهد هو المشهد البدئي والمضمِر الاوقات كلها، يزور العود على البداية المفترضة عملاً او فعلاً درامياً، ومسرحَ هذا الفعل واحوالَ شخوصه، أو «أقنعتهم» على ما سمى اصحاب المسرح الاوائل السارحين على المرسح. وقد يسوغ هذا الضربَ من الزيارة خطابةُ البيان- المقدمة وتصاويرها.

فسؤال البيان هو عن الإمكان والجواز والاستطاعة، وعن إيجاب أو إيجاد ما ليس موجوداً بعد، وهو «قصيدة النثر». ويُوضع السؤال على فعل الإخراج أو الخروج. والفعل أي اللفظة يحيل قارئ العربية الى الخلق الإلهي: يُخرج الحي من الميت، والنور من الظلمة، ويرعى النسل والحرث، وينبت من الجماد الأصم ما ينتشر من تلقائه... وشأن الخلق الإلهي، الرشدي (ينسبه الى ابن رشد)، يقع الخلق على طبائع («طبيعة النثر مرسلة... طبيعة القصيدة») وماهيات («القصيدة عالم مغلق... النثر سرد...») وغائيات تنضبط عليها السيرورات والافعال والاحوال. وتنتقل هذه السيرورات...، بين «أضداد» («طبيعة النثر شيء ضد») لا تصل جسور متماسكة الضد منها بضده. فليس إخراج قصيدة النثر، «العالم المستقل الكامل المكتفي بنفسه»، من النثر بالأمر اليسير والسائر، وعلى الاخص المتصل. وهو يقتضي انقلاباً أو تحولاً ليس أقل قوة وترجيحاً من «كن» ونفاذها في الكينونة. فلا عجب إذا استوى النثر و»القصيدة»، ذروة الشعر وماهيته المكثفة، على مرتبتين. فيتصدر الشعر، ويتربع على «الاعمق» و»الاسبق» وفي قمة «الاشراق والايحاء والتوتر». ويتخلف النثر الى مشاغل الوعظ والإخبار، والحجة والبرهان»، ويتورط في «الزمن الموقت والقيمة العابرة».

ويخلص البيان المقدمة من نصب تعريفاته وتماثيله و»أفكاره»، المغرقة في تقليد مدرسي وتعليمي (من التعليم الديني) رمادي، الى اجتراح «قصيدة النثر» على صورة «الهذيان». ويولد هذا من زواج جوهرين او «كائنين» متباينين، حُمل تباينهما واختلافهما على الهوية المستوفية التعريف: «القصة... هي كائن نثري» و»القصيدة... هي كائن شعري»، ثم على الضدية. والكلام على ضدية حيث يتناول الامر وجهين أو نحوين من العبارة او الدلالة، مجازي خالص وتشبيه. وكان كانط، الألماني، ناقد الميتافيزيقا وماهياتها الجوهرية وأضدادها ومراتبها، أوضح تهافت القول ان الحركة ضد السكون، أو القول ان القوة التي تحمل جسماً على جهة من الجهات هي نقيض القوة التي تحمله على جهة أخرى معاكسة. فحال الجسم حين لا يتحرك هي حال معينة وموصوفة بسور، أي بعدد يحصي «أفراد» أو آحاد الجسم أو القوة. فالسكون ليس واحداً في أحوال الاجسام كلها وأوزانها ومواضعها. ونتيجة تضاد القوتين اللتين تتنازعان وجهة الجسم، ولو كانت صفراً، هي كذلك صفر موصوف ومحصور. وعلامة السلب أو الطرح ليست قرينة على الانتفاء والعدم بل تفترض سلم قيم متصلاً وواحداً. وحين يكتب صاحب «لن»، فرحاً ومحتفلاً، ان البحث في قصيدة النثر «يبدو... هذياناً»، فهو يحسب أنه يجمع الضدين في واحد، ويقترب من احوال او مواقف تعاقب عليها او تعاقبت على من رتبهم تقليد نقدي ظرفي ومتقلب أعلامَ «قصيدة النثر» أو شعره، مثل بودلير ورامبو وعشرات الشعراء الذين جاؤوا بعدهما. وهؤلاء يشترك بعضهم، على مقادير متفاوتة، في كتابة سعت في تخليط الحواس، ولم تقتصر عليه. فأدخلت النهار في الليل، واليقظة في الحلم، والمنطق في الرغبة، والمعرفة في الهلوسة، والقبيح في الحسن، والموت في الحياة... وأضافت الطعم المرهف واللذيذ الى الجثث. وجمعت هذا الصنف من الإضافات الى «الكتابة الأوتوماتيكية»، وعهدت الى هذه بتوحيد «المتفجر»، المتأتي من حمل المتنافر على الائتلاف عنوة، في «الثابت» القائم في نفسه والصادر عنها. وعرفت الجميل بالتوحيد هذا، وبتسويغه فعل التوحيد في النفس، ومن جهتها «الذاتية»، على خلاف حمل الجمال على معايير مثالية وموضوعية على النفس الاقرار بها والاجماع عليها.

[الإله والعراف والنبي

وتضطلع النسبة الى «الهذيان» بدور راجح في استطلاع «قصيدة النثر» العربية المرجوة، وفي وصف مثالها او مرجعها الفرنسي المدعى. فالهذيان، أو ما هو في معناه، يسري في «الهزة الشعرية»، و»الزلزلة» العميقة، و»المعارضة» و»المجازفة الخرقاء» (على زعم المحافظين») و»عجلات النهضة» (على خلاف «الرجعة» و»منطق اللغة والتراكم الادبي وحاجات الشعوب العربية...») و»المقاومة» بـ»الجنون» رداً على «الاختناق»، و«التمرد» و»(الوقوف) في الشارع و(الشتم) بصوت عال، و(اللعن) و(التنبؤ)» و»الهسترة المستميتة»، و»(بج) الالف عام»، و»الهدم والهدم والهدم...» و»السرطان» و»المرض» و»الفوضوية» و»النبوة» و»التأله»... وإذا اجتمعت لهذه، ومرادفاتها الكثيرة وغير الحصرية، عوامل أو أدوات فن شعري منهجي («هندسي» و»هيكلي») ترعى بؤرة فعل شعري خالص ومركز («واحد مغلق» و»رؤيا» حاملة و»عمق تجربة فذة» و»إشعاع» غامر وغاش...) بلغت «قصيدة النثر» غرضها التمامي والغائي:» التأثير الكلي المنبعث من وحدة عضوية راسخة... لا زمنية»، تقوم بنفسها من تلقاء نفسها، ولا تدين لخارج حادث وغير ضروري بشيء. ولكنها، إذا أتمت عدتها وبلغت غايتها، تفتقت عن نتائج عظيمة في وجوه اللغة والاحساس والعقل والاخلاق والحرية والتاريخ والمجتمع والموت والحياة. واستوى «الشاعر الحر»، شاعر قصيدة النثر الموعودة، «النبي، العراف، والإله»، و»المطلق»، «(معبر) الجميع... الى الحرية».

وانقلاب البيان المقدمة من استيلاد قصيدة في النثر» على وجه البداء والاحتمال الى إيجابها على وجه الاطلاق الكلي، وذلك بين مستهل يلتمس طريقاً وعرة وضيقة وبين خاتمة مجنحة وأثيرية، يحاكي مثالاً سبقت اليه، قبل نحو قرن ونصف القرن، المقالات العربية التاريخية التي تناولت مسائل الانحطاط والنهضة، والتقليد والتجديد، والعقل والنقل، والتأخر والتقدم، والفرد والمجتمع، والتنظيم والارتجال، والاتباع والابداع... ولم تنفك المقالات التاريخية العربية تبدي في المسائل هذه وتعيد، الى اليوم. والصور أو المثالات التي جلتها عواملَ حاسمة في الانقلاب من الانحطاط والتأخر والتقليد والفوضى والاتباع الى اضدادها ونقائضها، أي صور البطل والقائد والزعيم والمصلح والمستبد العادل والغازي والحزب الطليعي والامة العالمة والروح الجماهيرية والشعب الواحد والدولة العضوية والخلافة الراشدة...، هذه الصور والمثالات غلب رسمها على بيان (طريق) الخلاص من النظم الميت الى «قصيدة النثر» الحية والمتجددة لا الى غاية أو نهاية، ومعها «الجميع» و»كل شيء».

فمشكلة البيان المقدمة العسيرة هي تعليل الخروج من بلادة النثر المنظوم الى «قصيدة النثر» الشعرية والمتلألئة، وتسويغ الخروج، أو الإخراج، نثراً ومن طريق مقالة في المنهج تسبق الحجة الناجزة. فيتصدى للمعضلة العملية والمنطقية المستغلقة من طرق متفرقة، يترددُ تفرقُها في ترجح «البيان» بين لغات ومباني احتجاج وخطابة شتى. ووجه الاستدلال الاول على حقيقة الشكل المنشود هو القسمة الماهية على الطبائع والكيانات، على ما تقدم القول. وما يعقل مفهومه وكماله في المفهوم والفكرة لا مشاحة في عقل وجوده وضرورة هذا الوجود. والوجه الثاني هو إثبات هذا الوجود في دائرة شعرية وأدبية اخرى فرنسية، ولا قوة للتذرع بأجنبيتها على إبطالها أو بطلانها: فالشعر «طبيعة» والنثر «كائن» في اللغات والثقافات كلها، ولا فضل للغة على عجمة أو هجنة إلا بجلائها البيان الاقرب الى الطبائع. والوجه الثالث هو الانصراف عن النسب المدسوس والمنحول، وأدعياء الشكل الجديد «المهرجين» والمهللين»، الى نسب صحيح وأصيل «جدي» لم تتعدَّ بشارته العامين عداً ونقداً (أي 1958 حين كتابة المقدمة وطباعة المجموعة في 1960، أي عام طباعة العدد الاول من مجلة «شعر»). والوجه الرابع هو دعوة الى ارجاء الحكم أو الرأي الى حين ولادة الوليد المنتظر وحضور «نتاج بين يديْنا للحكم» عليه. والوجه الخامس هو دليل الجواز أو عدم الاستحالة: «ما دام الشعر لا يعرَّف بالوزن والقافية، فليس ما يمنع أن يتألف من النثر شعر»، الخ.

ويستقوي الاحتجاج البياني بأدلة حسية وواقعية (تجريبية) حيية. فثمة ترجمة «نشيد الاناشيد» السليماني التوراتي. وثمة «تمهيد مباشر» للمولود المنتظر والموعود هو «ارتفاع مستوى النثر (...) عندنا»، على يد فؤاد سليمان والياس خليل زخريا. و»ضعف الشعر التقليدي وانحطاطه« حجة قاطعة على «لا حجيته»، على قول بعض الفقهاء. و»هناك الوزن الحر، القائم على مبدأ التفعيلة لا البيت»، وهو «يعمل» منذ عقد ويقرب الشعر من النثر و»قصيدته» المنشودة. وفي الاثناء، اقترب «جميع الشعراء العرب الشيوعيين والواقعيين (...) من النثر»، أسلوباً وجواً وأداءً. وأخيراً مهدت الترجمة عن الشعر الغربي الى العربية «بزوغ النوع الجديد» ، وشقت الطريق الى «الشكل» في انتظار بلوغها «الأذواق» وتربيتها على «التهيؤ الطبيعي». فـ(تتبين) النوع الجديد (وتتجنب) ما ليس قصيدة نثر».

[النقائض والأضداد

والحجج الحسية والادبية جزء وضعي ظاهر من حركة ثورية تاريخية بل زمنية عريضة عصفت بـ»العالم» و»الانسان» و»الاحساس» وزجت بهذه (وهؤلاء) في «التغير» و»النفض والبحث والخلق». والشاعر، «الحقيقي» بديهة وطبعاً، في طليعة حرب «أقلية» «التقدم» و»الكتلة الطليعية» و»النهضة» («نهضة العقل، والحس، والوجدان») و»التحرر النفسي والفكري» و»الانتفاضة الفيزيكية والميتافيزيكية» على «المحافظة» و»الرجعة» و»العواطف القشرية للجماهير» و»(استخدام) منطق اللغة والتراكم الادبي وحاجات الشعوب العربية وظروفها السياسية والاجتماعية والروحية»، و»طليعة حرب الاقلية نفسها على «الارهاب وسيطرة الجهل وغوغائية (النخبة) والرعاع» و»الشتبث بالتراث (الرسمي)» . ويتفق وصف الوجه السياسي والاجتماعي و»الروحي»، المعنوي والنفسي، من المحافظة والرجعة العربيتين و(مع) وجههما الشعري واللغوي. فكلاهما إخباري وبرهاني ووعظي و«ذو هدف زمني»، و»سلاحه» خطابي و»(متورط) في الزمن الموقت والقيمة العابرة»، ولا «يعيد النظر... في عناصره»؛ وكلا الوجهين «خارجي» الأثر والفعل و»قشريهما»، وكان «قالباً صالحاً» في عالم كان «مناسبا» لزمنه و»انسانه» وتغير في الاثناء وكف عن «الارتياح الى أدوات جاهزة وبالية». ويراكم وصف المحافظة والرجعة (وصفاً) بلاغياً وشكلياً مطاعن لا قيد عليها، ولا على احصائها المتناسل، إلا من معجم الالفاظ وتداعياته: التقليد والركود والاحتماء بالماضي، وإعمال أسلحة التعصب والهزء و»صليبية المنطق التاريخي... (المزور)»، و»ابتسار النظرة» وإرادة «البقاء حيث هم»، الى إعمال «ألف عام من الضغط، ألف عام ونحن عبيد وجهلاء وسطحيون»... وتتداعى على النحو نفسه من البلاغية والشكلية صفة «الضد»، شعراً («قصيدة النثر») وشاعراً متلازمين. والبيان المقدمة أوكل الى حرف النصب «لن»، وسم الديوان وبيان بيانه وقصائده، العبارة الجامعة عن معاني «الثورة» والخروج على المحافظة والرجعة.

ويسثنى من قلب العلامات والقيم، ومن تعكيسهما، سبيلاً الى الاستدلال على حقيقة الكائن الهائل والمنتظر، ووشك ولادته ومجيئه وخروجه وظهوره، إيماءٌ غامض الى «طلب» رامبو لغة «تختصر كل شيء، العطور والاصوات، والألوان»، والى «قول» بودلير»انه من الضروري استعمال شكل (مرن ومتلاطم بحيث يتوافق وتحركات النفس الغنائية، وتموجات الحلم، وانتفاضات الوجدان)». وأغمض من الايماءة المستعارة إشارة خاطفة الى «جناح آخر»، هو جناح «الهيكل»، أو «التنظيم الفني»، محضه رامبو «قصيدة النثر». فطارت القصيدة العتيدة بجناحين «نقيضين» جناح الفوضوية وجناح الهيكل، أو «تفجرت ديناميكيتـ(ها)» في عبارة أنسي الحاج المتسامية الى الشعر الصافي والدقيقة كالشفرة أو المبضع، على ما مدحها أصحاب المراثي غداة الفراق وقبله. والقول، في أول الفقرة، «يستثنى»، أقرب الى التمني منه الى التقرير. فما أن يهم البيان بالتعيين «الفيزيكي» و»الميتافزيكي»، أي الكلام في الاختبارات اللغوية والحسية والمعنوية والاجتماعية التاريخية، أو ييمم إليه، حتى يراوح محله في شرك النقائض والاضداد الشكلية والصورية. وإذا هو استعار أسانيد وشواهد من الحوادث والوقائع والاعيان (الشعرية والسياسية الاجتماعية) وجردها من آحادها وأفرادها،روابطها وحركتها ومعانيها، وأحالها «هياكل» عظمية مقطعة الاوصال تطفو على صفحة مياه راكدة.

فكاتب البيان المقدمة شاءه بياناً على معنى «بيان السوريالية» الاول فالثاني فالثالث وتضمينه معنى «البيان الشيوعي» الذي ردد معنى البيانات الدينية والسياسية الثورية المشهودة- يؤذن ببشائر عالم جديد آتٍ، ويدل عليها بالاصبع والعين وسمت الجسم كله. فجاء تأريخ الولادة الموعودة، واستشراف مصائرها ومآلاتها وثمراتها، على شاكلة قيد إدارة تكنيكي» بصفات أو سمات الوليد المنتظر وعلاماته الموجبة تصديق دعوته واتباعه ونصرة سلطانه. وهذا قريب من القصص، على معنى الاسطورة التي لا حادثة فيها وتقتصر على تنضيد الوقائع والكائنات ونظمها نظماً مرتبياً مجرداً من الزمن؛ وعلى معنى وعظ القصاص. وهؤلاء دأبهم القياس على أمهات حوادث وأقدار مقسومة، والتذكير بتحدر الحوادث من رحم القسمة السابقة.

فيجمع القَصَص على صورة «البطل» وفي صورته المتصدرة، وهو في مقدمة «لن» الشاعر والنبي ورسوله والعراف الهاذي والمجنون والملعون والرافض والفوضوي...، ما يستغلق على الاحاطة بالحادثة إحاطة حدسية وفيضية مستوفية وتامة. ووجه جمع القصص الملحمي والاسطوري والوعظي على المثال النبوي البطولي ما يعصى العقل الحدسي والفيضي هو التثنية أو الازدواج. فالشاعر والبطل والنبي... هو (هم) اسم أو شارة من تعصى ولادتُه الحادثةُ التأريخَ المتصل والمتشابك الحلقات على نحو مفهوم من غير آلة أو واسطة. فينصب القَصَص الاسمَ علماً على قاع متناسلة لا الى غاية أو قاعٍ أخيرة، ويضمِّن الاسمَ علل وجوده المكنونة ومصائره المرصودة من غير عبارة. وعلى هذا، وعلى خلاف اضمار البيانات والشواهد الفرنسية والتلويح بها، تؤول المقدمة الى اثبات ضرورة كائن جائز او ممكن الولادة، تام الاوصاف، ولكنه لم يولد بعد، ولا علم بدواعي ارجاء ولادته بعد «ألف عام من الضغط». ويدعى الجمهور الى الاحتفال بالوليد الهائل، والايمان به، والدخول في أمته، والهذيان والجنون والتأله والتنبؤ واللعان والهدم والعرافة والشتم والابداع على طريقته الموصوفة. فيكني القصص عن ظهور أو خروج الذات الفردية التاريخية من عموم الوجدان (فعل «وجود» النفس نفسها في نفسها) الانساني من طريق مثال أسطوري وجميعي ينقض على الفردية وعلى التاريخية ويُصدق امتناعهما.

ولعل مقالات «الاحتفال» الجماهيري والكرنفالي برحيل انسي الحاج تتمة القصص هذا، على ما قد يأتي القول.


شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا