الجمعة، 21 فبراير 2014

فايسبوكية أحمد بيضون عن الاستبداد

SHARE
يبدو راجحاً أن المستبدَّ يصبح، عند تمامِ استبدادِه، عاجزاً عن الاعتزال. وذاك أن الاستبدادَ يُبْنى على زَعْمٍ هو زَعْمُ تَجَسُّد السلطة أي حلولها في جَسَد هو نفسه الجسد السياسي للجماعة. وعليه يصبح جسدُ المستبدّ هو جسد السلطة أو جسد الجماعة هذا باعتبار الجماعة شيئاً منفصلاً عن مجموع أفرادها: مختلفاً عنهم ومتفوّقاً عليهم. ويُفْتَرَض أن تصيرَ هذه الجماعةُ إلى الموت إذا مات جسدُ المستبدّ. ولذا يتشبّث هذا الأخير، لُطْفاً منه وكَرَماً، بالحياةِ وبالسُلْطةِ معاً.
غير أن المستبدَّ فانٍ بما هو جسدٌ وينتهي أمرُهُ إلى الموت شأنَ سائر البشر، فهل له أن يَتْرُك الجماعةَ تموتُ بموته؟
وَجَد الملوكُ حلّاً لهذه "المُعْضِلة" بالتوريث. فافْتَرَضوا أن وَحْدةَ الدمِ التي تَجْمع الأبَ والابنَ قَمينةٌ بضمان الاستمرارِ لوَحْدةِ الجماعة الحالّة في جسد السلطة الواحد. وكان أن استَقَرّ التسليمُ، في بعض الحالات، بأن للملك جسدين: أَحَدُهُما مادّيٌّ يموتُ والآخرُ سياسيّ لا يموت بل يَنْتقل. وقد وَضَع الألماني كانتوروفكس كتاباً ذاعت شهرتُه سمّاه "جَسَدا الملك" تتبّع فيه مصائرَ هذه العقيدة بين العصر الوسيط المتأخّر في ممالك القارة الأوروبية والعصر الأليزابيثي في إنكلترة. وهذا العصر الأخير هو أيضاً عصر شكسبير ومسرحيته "ريتشارد الثالث" التي يظهر فيها بجلاءٍ مبدأ ازدواج الجسد الملكي هذا.
وحيث كانت "العشيرةُ" أو "البيتُ" عِماداً لتنظيم المجتمع والسلطة، لم تُشْترط بُنُوّة الخَلَف للسَلَف بل فُتِح بابُ التفضيل في نطاق العشيرة. هكذا انتهت سقيفةُ بني ساعدةٍ، مَثَلاً، إلى جَعْل الخلافةِ في المُهاجرين من قريش... وأَقَرّت دولةُ بني عثمان، مَثَلاً أيضاً، الخلافةَ للأَرْشَدِ فالأرشد في البيت العثماني. وكان بعض السلاطين يَعْمِد إلى قَتْل إخوته عن آخرهم ليتاحَ له توريثُ واحدٍ من أبنائه.
وفي عَصْرِنا وجِوارِنا، اعتبَر الرؤساءُ المستبدّون أنفسَهم بمثابة الملوك وجَنَحوا إلى توريث أولادِهم حَصْراً مستفيدين من تَصَدُّع المنظومة القَبَليّة والبِنى الإقطاعية ومن زَعْمِهِم تجسيدَ وَحْدةِ الأُمّة التي ادّعوا استردادها على أنقاض النظام المتداعي .
وكان مفروضاً أن نُقابِلَ بالحَمْد والعِرفان طُغاتَنا الأكارم وهم يَبْذُلون وُسْعَهُم مقدّمين ذَوِي الوَسامة من فِلْذاتِ أكْبادهم لإنقاذ جماعتنا من الانحلال متى رحَلَت عنّا أجسادُهم الفانية وفارَقَتْنا وجوهُهُم الكالحة.

ولكنّ بعضنا شَقَّ العَصا، في الآونة الأخيرة، وأَنْكَرَ الجميلَ، على ما يبدو، فاستَحْقَّ أَفْظَعَ العِقاب.
SHARE

Author: verified_user

0 facebook: