رحيل شاعر فيروز

1:43:00 م

بيروت – محمد الحجيري: في المرة الوحيدة التي التقيت فيها الشاعر جوزف حرب كنت شاباً صائعاً أحاول الدخول في عوالم الثقافة، التقيته في مكتبه برفقة أحد الشعراء، مكتبه العامر بالكتب كأنه مبنيّ منها. في تلك المرة، أهداني ديوانه {الخصر والمزمار} وكتب لي عبارة {من القلب من رؤوس الأصابع}، ظل هذا الإهداء عالقاً في ذاكرتي لمدة طويلة كأني حصلت على كنز، بل بقيت متأثراً بأجواء العذوبة في ديوانه وطريقة طباعته وأناقته. يومها نصحني الشاعر الراحل ألا أتسرع في النشر مبكراً، فهو دخل في هذا التجربة وندم، وفي مرحلة نضجه أخفى دواوينه الأولى ويعتبر أن انطلاقته الفعلية بدأت مع ديوان {شجرة الأكاسيا} ثم {مملكة الخبر والورد}. وهو في الستينيات، طبع باكورته النثريّة {عذارى الهياكل} (1960)، ودخل لاحقاً {الإذاعة اللبنانية} حيث قدَّم بصوته برنامج {مع الغروب} (1966). مع اندلاع الحرب الأهليّة، ترك بيته في ضبيّة في جونية، إثر محاولة اغتيال أدّت إلى إحراق مكتبته. في تلك المكتبة جمع آلاف الكتب والمجلدات ومخطوطات مثل {المجدلية} بخط سعيد عقل وقصائد بخط أحمد شوقي والأخطل الصغير وحافظ إبراهيم، ونحو 82 نصاً مشابهاً، فضلاً عن القسم الإسلامي والقسم اللاهوتي وقسم التراث... كان ذلك يوماً واحداً من أيام الحرب السوداء التي تعرّض خلالها جوزف حرب لأكثر من محاولة خطف وقتل واعتقال. {أهمّ محرّك لكلّ شيء هو هاجس الموت، عندي إحساس بأنه لم يبقَ لي وقت؛ منذ كنت طفلاً وهذا الإحساس يتملكني}، يقول.
التقى حرب بزياد الرحباني في {الإذاعة اللبنانية} عام 1976، وتعرَّف إلى فيروز من خلال ابنها. كان لقاؤه الغنائي الأول مع {السيدة} أغنية {حبيتك تَ نسيت النوم}.

نصوص ريفية

لا شك في أن كثيرين يعرفون جوزف حرب من خلال الأغاني التي قدمها مارسيل خليفة عن الثورة، فلّّحن وغنَّى له «غني قليلاً يا عصافير» و{انهض وناضل». ولحَّن له رياض السنباطي: «بيني وبينك» و{أصابعي». وإلى الآن لم تصدر الأغنيتان بصوت فيروز. والأغاني التي قدمتها الأخيرة له كثيرة، من بينها: «هللو هللويا، كنا نزين شجرة زعيرة، إسوارة العروس، بليل وشتي، أسامينا، يا ريت منن، لما عالباب، حبيتك تنسيت النوم، زعلي طوّل أنا وياك، فيكن تنسوا، خليك بالبيت، رح نبقى سوى، لبيروت، ما قدرت نسيت، البواب»... غنته فيروز كثيراً حتى سمي «شاعر فيروز»، وقيل إن صراعات كثيرة نشبت بينه وبين شعراء آخرين محورها فيروز وأغانيها، ومن دون شك فاز حرب بالنصيب الأكبر من كلمات الأغاني كونه كان الأقرب إلى المدرسة الرحبانية التي تعتمد النصوص الريفية في أغانيها.
 بالنسبة إلى كثير من الشباب اللبنانيين، كان حرب يعتبر «شاعراً ثورياً» يغني الخبز والثورة والفقراء، ومقرباً مما يسمى «الفكر  الماركسي». ولكنه حين زار ذات مرة دمشق وقدم قصيدة طويلة عن مزايا الرئيس حافظ الأسد والبعث والعروبة البعثية انقلبت الآية والصورة. استهجن كثيرون لماذا يلجأ شاعر مثل جوزف حرب ليكون مادحاً للبعث وثقافته، وسرعان ما تلقى أوسمة من بشار الأسد، وأصبح «رئيساً لاتحاد الكتاب اللبنانيين» بإيعاز من الوصاية السورية في لبنان. بعد بدء أحداث الربيع العربي، بقي جوزف حرب صامتاً كأنه كان يود أن يقول شيئاً ولم يقله، أو فوجئ بأشياء لم يتوقعها، صمت على عكس كثير من الشعراء العرب الذين انغمسوا في مواقف تصبّ في خانة البعث ونظامه.
ميزة حرب أنه بقي بعيداً عن الإعلام، يكتب شعره ويعيش متنسكاً مع لغته وموسيقاه، يكتب عن الريف والطبيعة ولم يتآلف مع المدينة في أي من كتبه أو قصائده، بقي يعشق مفردات ومشهديات تتسم بالريفية الأصلية، من الحب إلى المرأة، من الغيم إلى العكاز والريح والقصب والجمال. كتب القصيدة الطويلة والقصيدة القصيرة وكان ميالاً إلى الملاحم، ديوانه «المحبرة» أطول عمل شعري في التاريخ العربي، وهو عبارة عن 1750 صفحة، وقد أهداه للموت كتحدٍ له، وكان يعتبر أن «الخلق حالة تحدّ للموت ووراء كل تفكير من تفكيرنا يوجد لاوعي اسمه الموت. لدينا هواجس كثيرة حوله وكل شيء نفعله في حياتنا كي لا نموت».
طوال حياته كان يعيش في شارع الحمرا في بيروت، وفي سنواته الأخيرة بنى منزله الأخير في جنوب لبنان على تلة مطلة على البحر وسكن فيه، كأنه كان يحب أن يموت في منطقة نائية خارج ضجيج المدينة وناسها.
عن جريدة الجريدة الكويتية

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا