انتقام الأخ... الداعية الذي قد يطيح بأردوغان

2:07:00 ص
الأحد 19 يناير 2014 جريدة – الجريدة الكويتية

 يتمثّل الخطر الأكبر الذي يداهم اليوم رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بمن كان في السابق الحليف والسند، إذ يبدو الداعية الإسلامي محمد فتح الله غولن وأتباعه مصمّمين على تحقيق ما لم تتمكّن المعارضة من إنجازه وهو الإطاحة بالنظام الراهن في تركيا. {شبيغل} تابعت الجديد في هذا الشأن


لطالما دعم تورغوت كيليس رئيسه أردوغان حتى في خضمّ التظاهرات التي عمّت اسطنبول الصيف الماضي على إثر قرار البلدية ومعها الحكومة بإزالة حديقة {جيزي} وإعادة بنائها. وقد ظهر كيليس في الصفوف الأمامية يوم احتشد عشرات الآلاف من المؤيّدين لدعم أردوغان.
غير أنّ المعطيات كلها تبدّلت في غضون ستة أشهر. اليوم، يقول المناصر السابق: {على أردوغان أن يرحل}. ولا يكتفي بهذا فحسب بل يعتبر أن رئيس الوزراء {خدع} ملايين الأتراك. ورغم دعمه الدائم لحزب العدالة والتنمية المحافظ فإن إعجاب كيليس بالداعية الإسلامي فتح الله غولن تخطّى آراءه السياسة. إشارة إلى أنّ غولن قائد حركة مدنية قوية تواجه اليوم سياسة أردوغان.
ارتاد كيليس مدرسة أسّسها غولن قبل أن يلتحق في ما بعد بجامعة تابعة للحركة عينها، ويقول إنّ الجمعية ساعدته على ايجاد عملٍ. يشغل كيليس اليوم وظيفةً في شركة بناء في اسطنبول فيما لا يزال من الأتباع المخلصين للقائد. وقد صرّح بأنّ من يهين غولن إنما يهينه أيضًا.
كان غولن وأردوغان حليفين على مدى سنوات عدة إلى أن أعلن رئيس الوزراء الخريف الفائت أنه سيتمّ إقفال مراكز الإرشاد التابعة لحركة غولن متّهماً أتباع الداعية بإنشاء {دولة داخل الدولة}. على إثر ذلك، دخل الجانبان في صراعٍ مرير على السلطة. وقد تبين من خلال الصراع أن حركة غولن تسيطر على الشرطة والنظام القضائيّ، فكرة استبعدها كثيرون في الماضي باعتبارها مؤامرة قذرة.
قبل أيام فقط من حلول عيد الميلاد، اعتقلت الشرطة أكثر من 50 مشتبهاً بهم من بينهم أعضاء في حزب {العدالة والتنمية} إلى جانب رجال أعمال وأولاد ثلاثة وزراء اتّهموا بقبول الرشاوى والتورط في صفقات نفط غير قانونية مع إيران.
يعتقد غاريث جنكينز الخبير التركي في معهد آسيا الوسطى والقوقاز أنّ مؤيدي غولن يقفون وراء التحقيقات فيعلّق على الموضوع قائلاً: {تريد الحركة ترهيب أردوغان وهي تسعى جاهدة إلى الحؤول دون إغلاق مراكز الإرشاد التابعة لها}. في هذا السياق، أعلن وزير العدل السابق الذي ينتمي إلى حزب العدالة والتنمية أن موظّفاً في المحكمة العليا للبلاد طلب نصيحة غولن قبل أن يحكم في إحدى القضايا.

تجمّع إسلامي

يسير كيليس في شوارع اسطنبول غير أنه يخاف أن يلمحه أحدهم فيدير وجهه وينظر إلى أحد المقاهي. في الواقع، لا يسمح له بالتحدث عن حركة غولن وهذا ما يدفعه أيضاً إلى عدم استخدام اسمه الحقيقي. يريد توضيح أمرٍ واحدٍ وهو أنّ أردوغان هو من افتعل الخلاف الحالي لا الحركة. ويؤكد: «إنه يتصرّف باستبداد».
ولكن من هو فتح الله غولن؟ يعيش غولن (72 عاماً) في المنفى في ولاية بنسلفانيا الأميركية. فرّ من تركيا في العام 1999 عندما اتهمته الحكومة العلمانية آنذاك بمحاولة أسلمة البلاد. يدير مؤيدوه البالغ عددهم حوالى ثمانية ملايين شخص الكثير من المدارس والمؤسسات الإعلامية والمستشفيات، إضافة إلى شركة تأمين منتشرة في 140 بلداً بما في ذلك ألمانيا.
وفقاً للبرقيات الدبلوماسيّة للولايات المتحدة الأميركية المسرّبة والتي نشرها «ويكيليكس» عام 2010 فإنّ هذه الشبكة هي «التجمّع الإسلامي الأقوى» في تركيا وهي «تسيطر على الشركات الأكثر أهميّةً في البلاد وعلى المؤسسات الإعلامية. حتى إنّها تغلغلت في عمق السياسة التركية وفي صفوف حزب «العدالة والتنمية» الحاكم.  
بدأ غولن مسيرته كإمام في أدرنة وإزمير وسرعان ما أقنع رجال الأعمال المتديّنين بتقديم تبرّعات استخدمها لإنشاء المدارس فيما عمل مؤيّدوه على تأسيس مشروع سكن للطلاب عرف بـ{بيوت النور». تشكّل هذه المساكن جزءًا أساساً من الجمعية وقد عاش كيليس في إحداها وهي غالباً ما تؤمن الإقامة المجانية في مقابل الالتزام بنهج غولن والإخلاص له. ويقول من تركوا هذه المدارس إن اللهجة السائدة في الداخل هي لهجة عسكرية. أما الدروس فهي عبارة عن كتابات غولن ومواعظه، يتعلّمها المقيمون هناك تحت إشراف مدير.
تستقبل الجمعية أعضاء جدداً في مدارسها ومراكز الإرشاد التابعة لها فتدربهم بصفتهم «جنود النور». أمّا مهمّتهم فترتكز على نشر نظرة غولن عن الإسلام في المناصب التي يشغلونها في المستقبل سواء كرجال أعمال أو سياسيين أو قضاة.
رغم حجمها الهائل، لا تملك هذه الجمعيّة عنواناً محدداً أو مقراً رئيساً. وحده فتح الله غولن يحدّد هيكليتها ومسارها في حين يدير «الإخوان» الذين يحظون بثقة رجال الدين الأعمال المهمّة كـ{زمان»، الصّحيفة التركية الأكثر تداولاً أو بنك «آسيا» وهو البنك الأكبر في البلاد.

اختراق الحكومة التركية

منذ أكثر من سنتين، دعا غولن أتباعه في إحدى عظاته المصورة على شريط فيديو إلى التسلل إلى الدولة التركية قائلاً: {عليكم أن تتسللوا خلسة إلى عمق أعماق النظام ولكن يجب أن تنتظروا الوقت المناسب لذلك، أي إلى حين استيلائكم على سلطات البلاد كلّها}. غير أنّ غولن نفى هذه الأقوال معتبراً أنّه تمّ التلاعب بالفيديو.
مع تولي حزب العدالة والتنمية مقاليد السلطة في العام 2002، رأى رئيس الوزراء آنذاك في غولن حليفًا له فعمد إلى تشجيع الحركة عن طريق تعيين أعضاء من الجمعية في مراكز مهمة لتطبيق القانون وتسيير عمل السلطة القضائية. في ذلك الحين، تعاون أردوغان وغولن للإطاحة بالجيش الذي كان يحمي الحكومة العلمانية.
هذا فيما أدّت المحاكمة في قضية شبكة {أرجنكون} ولعلّها الأكثر دراماتيكية وإثارة للجدل في التاريخ الحديث للنظام القضائي التركي، إلى اعتقال عدد من الجنرالات إضافة إلى مئات السياسيين والمحامين والصحافيين لتورّطهم في انقلاب مزعوم على السلطة. وفي حين تثبت الجرائم على بعض المتّهمين، اتّضح أنّ الاتهامات كانت ملفّقة. ويعتبر النقاد أن حركة غولن، وافقت اردوغان على التلاعب بالمحاكمة للتخلص من خصومها سواء في الحكومة أو المجتمع المدني. منذ أسبوعين، اعترف كبير مستشاري رئيس الوزراء أنّ السلطة القضائية تآمرت حينذاك على الجيش ما دفع بهيئة الأركان العامة إلى طلب إعادة فتح الملف في المحكمة.
 ويؤكّد عضو سابق في الحزب أنّ موظّفين كثراً عملوا وفقاً لأوامر إخوان غولن ويقول: {كان هؤلاء طلابنا. عملنا على تدريبهم ودعمهم للوصول إلى مواقعهم الحالية. ومتى تولوا المناصب، سيستمرّون في خدمة غولن كتعبير عن امتنانهم وشكرهم له} .
يضاف إلى ذلك تعرّض الصحافيين الناقدين للاضطهاد. في مارس 2011، اعتقل كلّ من المراسل نديم سينر وزميله أحمد سيك عقب إعدادهما تقريراً عن مؤامرة جماعة غولن ولم يطلق سراحهما إلا بعد انقضاء سنة على الاعتقال.

مال ونفوذ

يقول سينر إنّه لا يشكّك في جدية ادعاءات الفساد وخطورتها ولكنّ دوافع المحققين موضع مساءلة فالقضاة ليسوا حياديين بل هم على الأغلب أتباع غولن. ويضيف الصحافي: «لا تسود في هذه الجماعة أحكام القانون والديمقراطية. كلّ ما يسعى إليه هؤلاء هو النفوذ والمال».
إذاً، لا تتمحور هذه القضية حول العقيدة فحسب بل حول كسب المال والثروة لأنّ حركة غولن ساهمت عبر افتتاح المدارس في الخارج في تأمين أسواق جديدة للشركات التركية. فقد استفادت مجموعة «كاليك» التي يديرها صهر اردوغان من العلاقات بين جماعة غولن والديكتاتور التركماني السابق «سبارمورات نيازوف».
غير أنّ التحالف بين أردوغان وغولن بدأ بالتصدّع فعليّاً بعد انتخابات عام 2011 البرلمانية. يومها، قال أردوغان إنّه لم يعد بوسعه الاعتماد على الحركة ما أدّى إلى انزعاج مؤيّدي غولن مما اعتبروه طريقة حكم رئيس الوزراء المستبدة. وعلّق كيليس على هذا الموضوع بالقول: {لقد أمسى أردوغان عبئاً ثقيلا علينا}.
على صعيدً آخر، يختلف الفريقان حول قضيّة الأكراد. في حين قاد رئيس المخابرات التركية هاكان فيدان مفاوضات سلام سرية مع الانفصاليين عن الحزب العمالي الكردستاني، دعا غولن عبر شريط فيديو الجيش التركي إلى مهاجمة الانفصاليين الأكراد قائلاً: {حدّدوا مواقعهم وحاصروهم. دمّروا وحداتهم ودعوا الرّصاص ينزل كالمطر على بيوتهم. بدّلوا نحيبهم بصرخات الألم الموجع} .

تفاقم الصراع

في فبراير من العام 2012، حاول الادعاء القبض على فيدان، مدير المخابرات إلا أنّ أردوغان حال دون حصول ذلك ونقل صلاحيات الشرطة إلى المخابرات ما دفع بالإعلام إلى مهاجمة تصرفات رئيس الوزراء بالحدّة نفسها التي استخدمها بوجه المعارضة سابقًا. في صيف 2013، انتقد غولن تعامل أردوغان الوحشي مع احتجاجات «جيزي».
لم يتفاقم الصراع إلا بعد تهديد أردوغان بإغلاق مراكز الإرشاد التابعة لحركة غولن. بعد التهديد، أعلن لاعب كرة القدم السابق والبطل الوطني لومايكر سوكور انسحابه من حزب {العدالة والتنمية} وقال: {بصفتي داعما لهذه الحركة، أعتبر الاعتداءات ضدّ غولن موجّهة إلي شخصيا}. أطلقت صحيفة {زمان} على سوكور لقب {البطل بقلب أسد} معتبرة انسحابه {إنذاراً أخيراً}.
في اليوم التالي، هزت فضيحة فساد البلد كلّه ومذّاك لم تتوقّف مساعي رئيس الوزراء لدحض الاتّهامات باعتبارها جزءا من المؤامرة متحدّثا عن {حرب استقلال ثانية}. وأعلن أنّه سيتّخذ إجراءات بوجه مؤيّدي غولن. وقد تمّ بالفعل نقل أكثر من 500 ضابط في الشرطة فيما يتوقّع أن يقدّم أردوغان لائحة بأسماء ألفين من أتباع غولن المتواجدين داخل جهاز الدولة.
في المقابل، أعلن كيليس المؤيّد لغولن أنّ الحركة مستعدّة للمواجهة حتى{النهاية المريرة}. أمّا السياسي المعارض إلهان سيهانر والمناوئ لنهج غولن فتوقّع رفع الستار عن حقائق كثيرة في الأسابيع المقبلة معتبراً أنّ الحركة تملك أدلّة وملفات كافية للإطاحة باردوغان وقد قال في هذا السياق: {هذا الصراع لن ينتهي قريباً}.

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا