الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة

مَكتب مُدير البريد  
 مَكتب بريد الولايات المتحدة 
  كانون ثاني 1، 1970
مذكّرة  
 لوس أنجلوس، كاليفورنيا            
   742
 ميثاق أخلاقيات المهنة
يوجّه جَميع الموظّفين انتباههم إلى"ميثاق أخلاقيات المهنة" الخاصّ بموظفي البريد على النّحو المبين في البند 742 من الدّليل البريديّ.
أسّس موظفو البريد، على مرّ السّنين، عُرفًا راقيًا من خدمة متفانية للأمة، وغير مسبوق في أي مؤسسة عمومية أخرى. وينبغي لكل موظف أن يفخر بهذا العُرف من الخدمة المتفانية.
ينبغي على كل واحد منا أن يسعى كي يجعل مساهمته مجدية في الحركة المستمرّة للخدمة البريدية نحو التقدم المستقبلي من أجل المصلحة العامة. وعلى جميع موظفي البريد التصرف بنزاهة حازمة وإخلاص تام للمصلحة العامة. ويُتوقع من موظفي البريد الحفاظ على أسمى المبادئ الأخلاقية، والتقيّد بقوانين الولايات المتحدة، وأنظمة مَكتب البريد وسياساته. ليس المطلوب السلوك الأخلاقي فحسب، بل يجب على المسئولين والموظّفين أن يكونوا في حالة تأهب لتجنب الأعمال التي من شأنها أن تضرّ بالالتزامات الملقاة على البريد. وعليهم إنجاز المهام الموكلة إليهم بضميرٍ حيّ وبنجاعة. تتمتّع الخدمة البريدية بامتيازٍ فريد من نوعه، من وُجود اتّصال يومي مع الغالبية العظمى من مواطني الأمّة، وفي كثير من الحالات، اتصالهم الأكثر مباشرة مع الحكومة الفدراليّة. وعليه، هناك فرصة خاصة ومسؤولية تقع على عاتقهم للتّصرف بشرف ونزاهة يستحقّان ثقة الجمهور; ما يعكس أمانتهم وتميّزهم في الخدمة البريدية، وفي الحكومة الفدراليّة بأكملها. ويُطلب من جميع الموظّفين مراجعة البند 742، من الدّليل البريدي، والمعايير الأساسيّة للسلوك المهنيّ، والسلوك الشخصيّ للموظفين والقيود المفروضة على النشاط السياسي، وما إلى ذلك.
---------------------
المُدير العامّ



1
بدأ الأمر خطأً.
كانَ موسمَ عيد الميلاد وكنتُ قد علمتُ من الرجل السكير أعلى الهضبة، والذي كان يقوم بالخدعة ذاتها كلّ عيد ميلاد، أنهم على استعدادٍ لتوظيف أيّ شخص تقريبًا. فذهبتُ إلى مكتب البريد وقبل أن أدركَ شيئًا، حملتُ هذا الكيس الجلديّ على ظهري، ومشيتُ لمسافاتٍ طويلة في وقت فراغي. يا لها من وظيفة، قلتُ في نفسي. الأمر هيّن! سيُوكلون إليك شارعًا أو اثنين، لو نجحتَ في إنهاء المهمّة، سيعطيكَ ساعي البريد المنتظم شارعًا آخر، وربّما عُدتَ إلى محطة التّصنيف وأعطاك المُشرف شارعا آخر، لكنّك كنتَ تأخذ وقتكَ وتدفع ببطاقات عيد الميلاد تلك نحو فتحات صناديق البريد.
أظّنه كانَ يومي الثاني بوصفي مُساعدًا لساعي البريد في موسم عيد الميلاد، عندما خرَجت تلك المرأة الضخمة وطافت معي وأنا أوزّع الرسائل. ما أقصده بكلمة ضخمة أن مؤخرتها كانت كَبيرة ونهداها كبيرين، فقد كانت ضخمة من جميع الأماكن الصحيحة. بدَت مجنونة بَعض الشّيء لكنّي واصلتُ تأمّل جسدها ولم أكترث. واصلَت هي الحديث طويلاً. ثمّ جاءَتني بالخبر. لقد كان زوجُها ضابطًا في جزيرة قصيّة، وأصبحَت وحيدة، وعاشت في ذلك البيت الصغير الخلفيّ بمفردها.
"أيّ بيت صغير؟"، سألتها.
كَتبت العنوان على قصاصة ورقيّة.
"أنا أيضًا وحيد" قلت، "سآتي وسنتحدّث الليلة".
كُنتُ أسكنُ وقتها مع صديقتي، لكنّها كانت تغيب خارج البيت معظم الوقت، في مكان ما، وشعرتُ بالوحدة فعلاً. كنتُ وحيدًا على تلك المؤخرة الضخمة التي تقف بجواري.
 "حسنًا" قالت، "أراك الليلة".
كانت رائعة. وكانت مجامعتها جيدة، لكن ككلّ جماع، بدأتُ أفقد الاهتمام بعد ثالث أو رابع ليلة، ولم أعد. لكني، والله، لم أحتمل التّفكير في أن كلّ ما يقوم به سعاة البريد هؤلاء هو توزيع الرسائل في الصناديق والمضاجعة. هذه الوظيفة تناسبني، أوه نعم نعم نعم.



2
ثمّ خضتُ الفحص، واجتزتُه، وخضتُ الفحص البدنيّ، واجتزته، وصرتُ ساعي بريد مناوبًا. في البداية كان الأمر سهلاً. نقلوني إلى محطة ويست آفون وكان الأمر مماثلاً لما كان عليه في موسم عيد الميلاد إلا أنّي لم أمارس الجنس. توقّعتُ كلّ يوم أن أمارس الجنس ولم أفعل. لكنّ المُشرف تساهل معي في العمل وكنتُ أتجوّل وأنهي مهمّةً هنا ومهمّةً هناك. لم يكن لدي حتى زيّ رسميّ، باستثناء قبعة. ارتديتُ ملابسي العادية. كمّيات المشروبات الكحوليّة التي شربناها أنا وصديقتي"بيتي" بالكاد أبقت ثمنًا للملابس.
ثم نقلوني إلى محطة أوكفورد.
كان المُشرف شخصًا قاسيًا يُدعى جونستون. كانوا بحاجة إلى مساعدة هناك وفهمت السبب أيضًا. كان جونستون مولعًا بارتداء القمصان الحمراء الداكنة التي ترمز إلى الخطر والدّم. وقد عمل هناك سبعة مناوبين هم توم موتو، نك بيلغريني، هرمان ستراتفورد، روزي أندرسون، بوبي هانسن، هارولد ويلي وأنا، هنري تشيناسكي. بدأ العمل في الساعة 05:00 صباحًا وكنت المخمور الوحيد هناك. شربتُ على الدّوام حتى بعد منتصف الليل، وهناك جلسنا، في الخامسة صباحًا، في انتظار العمل، نترقّب اتصالاً من أحد السعاة المنتظمين ليتّصل ويبلغ أنه مريض. عادةً ما اتّصل المنتظمون ليُبلغوا أنهم مرضى عند هطول المطر أو مع موجة حرّ أو في اليوم الذي يلي عطلة عندما تكون حمولة البريد قد تضاعفت. كان هناك 40 أو 50 مسارًا مختلفًا، أو أكثر، لم يكن في المقدور أبدًا أن تحفظ أيًا منها، ووجب استلام البريد وتجهيزه قبل الثامنة صباحًا للإرساليات عبر الشاحنة، ولم يقبل جونستون الأعذار. كان المناوبون يضعون جرائدهم جانبًا، دون أن يتناولوا وجبة الغداء، ويهلكون في عملهم في الشوارع. اضطرّنا جونستون إلى المباشرة في ترتيب رسائل البريد بتأخير مدة نصف ساعة- فيما دار هو فوق كرسيه بقميصه الأحمر-"تشيناسكي اسلك مسار 539!". بدأنا العمل بتأخير نصف ساعة، ورغم ذلك كان علينا إنهاء توزيع البريد والعودة في الوقت المحدد. كنا مطالبين، مرّة أو مرّتين في الأسبوع، عندما نكون متعبين ومُرهقين ومنهكين تمامًا، القيام بمناوبة تجميعٍ ليليّ، وكان من المستحيل الالتزام ببرنامج العمل المكتوب على اللوح - فالشاحنة ببساطة لم تكن تتنقل بسرعة كبيرة. في الجولة الأولى، أهملنا أربعة أو خمسة صناديق بريديّة، وفي الجولة الثانية، تكدّست الصّناديق برسائل البريد وانبعثت منّا رائحة كريهة. ركضنا والعرق يملأ الأكياس. الآن وَجدتُ من يَصبعني. فقد اهتمّ جونستون بذلك.


3
المناوبون أنفسهم جعلوا من جونستون شخصًا محتَملاً من خلال طاعة أوامره التي لا تُحتمل. لم أفهم كيف يمكن السماح لشخصٍ بهذه القسوة الواضحة أن يكون في منصبه. لم يكترث المنتظمون، وكان نائب الاتحاد بلا قيمة. لذا قمت بتعبئة تقرير من ثلاثين صفحة عن أحد أيام عطلتي، وأرسلت نسخة إلى جونستون والأخرى إلى مبنى الفدراليّة. طلب مني الموظف الانتظار. فانتظرت وانتظرت وانتظرت. انتظرت مدة ساعة ونصف ثم أخذوني لمقابلة رجل شعره رماديّ قصير وعيناه تشبهان رماد السيجارة. لم يدعُني حتّى للجلوس. أخذ يصرخ في وجهي وأنا أدخل من الباب.
"تحسب نفسكَ نبيهًا ابن قحبة، أليس كذلك؟".
"حبّذا لو لم تشتمني، يا سيّدي!" "نبيه ابن قحبة، أنت أحد أولئك الّذين يمتلكون معجمًا لغويًا ويلوّحون به في كلّ مكان!"
لوّح بأوراقي في وجهي. وصرخ: "السيّد جونستون رجل رائع!"
"لا تكن سخيفًا. واضحٌ تماما أنّه إنسان ساديّ" قلت.
 "منذ متى تعمل في مكتب البريد؟"
"3 أسابيع".
"السيد جونستون يعمل في مكتب البريد منذ 30 عامًا!".
"ما علاقة هذا بالأمر؟"
"قلت، السيّد جونستون رجل رائع!"
أعتقد أن المسكين أراد حقيقة أن يقتلني. لا بدّ أنه جامع جونستون.
"حسنا" قلت، "جونستون رجل رائع. انس كلّ هذه المسألة اللعينة". ثم خرجت وفي الغد أخذت يوم عطلة. بلا أجر، طبعا.


4

عندما رآني جونستون في الخامسة صباحًا في اليوم التالي دار فوق كرسيه كالعادة وكان لون وجهه وقميصه واحدًا. لكنه لم ينبس بكلمة. لم أكترث. كنتُ حتى الثانية صباحا أشرب أنا و”بيتي” وأضاجعها. ركنتُ إلى الخلف وأغمضتُ عينيّ.
 في السابعة صباحًا دار جونستون فوق كرسيه مرة أخرى. جميع المناوبين الآخرين استلموا مساراتهم أو تمّ إرسالهم إلى محطّات أخرى كانت بحاجة إلى مساعدة.
"هذا كلّ شيء يا تشيناسكي. لا عمل لك اليوم".
 تأمّل وجهي. إلى الجحيم، لم أكترث. كل ما أردت القيام به أن آوي إلى الفراش وآخذ قسطًا من النوم.
"حسنًا، يا ستون" قلت. كانَ يُعرف بين سعاة البريد بلقب "The Stone " لكني كنت الوحيد الذي خاطبه به.
خرجتُ ثمّ انطلقت السيارة القديمة وسرعان ما عدتُ إلى السرير مع “بيتي”.
 "أوه، هانك! يا لها من متعة!".
"بكلّ تأكيد يا حبيبتي! التصقتُ بمؤخّرتها الدّافئة ورحتُ في النّوم خلال 45 ثانية.



5
في صبيحة اليوم التالي لم يحدث أيّ تغيير.
"هذا كل شيء، يا تشيناسكي، لا عمل لك اليوم".
استمرّ الحال أسبوعًا. جلستُ هناك كل صباح من الخامسة صباحًا وحتى السابعة صباحًا ولم أتقاض أجرًا. حتّى اسمي تمّ شطبه من جولة التجميع الليليّ.
عندها قال لي بوبي هانسن، أحد أقدم المناوبين في العمل، "فعلها بي مرّة. حاول تجويعي".
"لا يهمّني. لن أقبّل مؤخرته. سأستقيل أو أجوع، أي شيء".
"لستَ مضطرًا. قم بتبليغ محطة بريل بالأمر كل ليلة. أبلغ المُشرف انّك لا تتلقّى أي عمل ويمكنك أن تشارك كمناوب إرساليّات خاصّة".
"هل يمكنني القيام بذلك؟ ألا توجد قوانين تُخالِف هذا الأمر؟ "
"حصلتُ على راتب كل أسبوعين ".
"شكرًا بوبي".


6

لا أذكر متى بدأ العمل. السادسة أو السّابعة مساءً. شيء من هذا القبيل.
كلّ ما كان عليك فعلُه أن تجلس ومعك حفنة من الرسائل، وتتناول خريطة شارع وتعرف مساركَ. كانت المسألة سهلة. استغرقَ جميع السائقين وقتًا أطول بكثير مما استدعت الحاجة لمعرفة مساراتهم، وأنا لعبتُها كما يجب. غادرتُ عندما غادر الجميع وعدتُ عندما عادوا.
ثمّ قُمتُ بجولةٍ أخرى. كان هناك وقت للجلوس في المقاهي، وقراءة الصحف، والإحساس بأنّي إنسان. كان لدي حتى الوقت لتناول وجبة الغداء. كلّما أردتُ إجازة، حصلتُ عليها. في أحد المسارات، كانت فتاة شابة ضخمة تتلقّى إرسالية خاصة كلّ ليلة. كانت تعمل مصنّعة للفساتين المغرية والأردية الليلية التي ارتدتها هي بنفسها. كنتُ أصعد درجها شديد الانحدار بسرعة حوالي الحادية عشرة مساء، وأدقّ الجرس وأسلّمها الإرسالية الخاصّة. كانت تُطلق صوتًا لاهثًا، على نحو، "أوووووووووووووووووووه!" وكانت تقف قريبًا جدًا، ولم تكن تسمح لي بالمغادرة حتى تنتهي من القراءة، ثم تقول، "اووووووووه، تصبح على خير، أشكرك!"
"نعم يا سيّدتي"، قلت وأنا أغادر بقضيب كقضيب الثّور. لكن الأمر لم يدم. فقد وصلت الرسالة التالية عبر البريد بعد أسبوع ونصف من الحريّة.

"السيّد تشيناسكي العزيز: أنت ملزم بالمثول في محطة أوكفورد فورا. أي رفض للقيام بذلك سيؤدي إلى اتخاذ إجراءات تأديبية محتملة ضدّك أو إلى إقالتك".
إي. جونستون، المدير المسؤول، محطّة أوكفورد.

عُدت إلى حَملِ الصليب مرة أخرى.
مقطع من رواية "مكتب البريد" لبوكوفسكي، ترجمة الشاعرة ريم غنايم
•       تنشر بالاتفاق مع دار الجمل

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top