الحمل

محمود درويش وحكاية هذه المقابلة /الكمال فـي الشعر مستحيل، لذلك أفكر دائماً بالنقصان

محمود درويش وحكاية هذه المقابلة /الكمال فـي الشعر مستحيل، لذلك أفكر دائماً بالنقصان
مقابلة مع محمود درويش

كنت أمرّ بسيارتي في بولفار شمعون، أتأمل بيت طوني حداد قليلاً، ما يزال كما هو، لكن حين أراه أشعر أنه مثل عجوز استنفد عمره وبات على حافة قبره، أو مثل رجل ينتظر حكم الاعدام به، كل شيء من حوله يشير إلى أنه لن يبقى، الأشجار القليلة التي تحيط به، لم يعد هناك من يسقيها، والأعشاب نبتت في مرأب السيارات. في المرة الأخيرة رأيته وقد أصبح ركاماً من الذكريات، لم يعد بإمكاني مشاهدة سوسو أو أمّها، لم يكن بيت طوني إلا صورة براقة عن الشقاء العاري، وفي لحظة تحوّل أرضاً قاحلة، لم تنقذه الذكريات والكتابة من الموت.
بقي والدي لأشهر يتحدث عن بيت طوني حداد، الذي سكن في طبقته الأرضية لسنوات قبل أن يغادره بعد تقدمه في السن. ظلّ والدي لأشهر يقول كان علينا أن نأكل "حلوان" بيع أرض طوني الحداد وبيته.
 حين التقيت أبي في المرة الأخيرة، قال إنه لم يتعب، لا يزال اللحم على صدره لكنه يصاب بالصداع بسبب هبوط ضغطه. وحكى أن جدي زاره في المنام وطلب منه أن يذهب إلى قطعة الأرض التي أورثه إياها وهو على مقربة من بيته، قطعة الأرض لم يبق من شجر لوزها وعنبها أي شيء، لقد نهشتها الجرافات التي تبحث عن المقالع، كأن الرزق يذهب مع صاحبه. كأن المرء يشعر في أيامه الأخيرة أن جسمه هو مرآة حياته، وما إن يلمح طيف الشيخوخة حتى يحس أنه يحمل السيف ويحارب طواحين هواء الموت، أو يحاول دفع صخرة سيزيف إلى الأعلى وهو يعرف أنها ستعود وتسحقه.
في التذكّر محاولة للنسيان، لليأس من غبار الذاكرة العالق على جدران الخيال والروح. أمزق نفسي في الكتابة، لا استطيع الاتفاق مع نفسي، كل ما في الذاكرة مصاب بداء التفاهة.
في الغرفة الصغيرة التي مات فيها جدي، هناك في البيت القديم، بقي أبي وحيداً في سريره، خلفه جدران من الكتب اشتريتها ووضعتها على رفوف معدنية، رغماً عن أبي الذي كان يكره القراءة وغبار الورق. وخلال إقامتي الطويلة بعيداً عن بلدتي، أصبحت المكتبة مثل غابة لا تعيش فيها إلا "الوحوش الضارية". كأن الكتب تموت حين تصبح على رفوف المكتبات، أو هي أشبه بمستودع لأبطال روايات يختنقون بين الكلمات والصفحات، الأبطال يعيشون من القراءة وليس على الرفوف.
في غرفة كتبي، رأيت جدي، كان يلتقط أنفاسه على فراشه. رأيته في السابعة من عمري من الباب بالصدفة، صورة موته بقيت في ذاكرتي لم تمحها الأيام والسنون، رأيته، لم أكن أعرف معنى الموت، ولا أشعر به. كانت جدتي وأمي تنقلانه من على فراشه إلى فراش أكثر نظافة، ليموت على نظافة، رأيته من الباب يلتقط أنفاسه الأخيرة. رأيته ولم يعن لي الموت ولا حضرت جنازة جدي، ولا زرت رخام قبره، كنت ذلك الولد الذي يعيش الحياة ولا يفكر بالهباء.
لم أر جثمان جدي حين غسلوه. رأيت التابوت على الأرض، ومياه الصابون المنسربة من غسل الجثمان تحت شجرة السرو الضخمة. مشهد الجثمان لم يوح بشيء في طفولتي لكن حينما فكرت بالكتابة عنه انبعثت منه رائحة الموت.
جدي الذي مات في الثالثة والتسعين من عمره، روت أمي أنه قبل موته بلحظات أيقظها من نومها، قال لها "إني متعب والروح ما عم تطلع". كان يعرف أنه يموت، وكان الموت أمامه كلحظة عابرة.
أمضى جدي أيامه الأخيرة، يتنقل في زوايا البيت، يذهب إلى كرم العنب حاملاً إبريق الشّاي. يمضي ساعات بين العمل والصلاة، يعود أحياناً حاملاً بعض ثمار التين وعناقيد العنب، يجلس تحت شجرة التوت أو قبالة الشمس، لديه هواية في حياكة قبعات الصوف، لكنه لم يحب رواية الحكايات، لا يحب الاحاديث والاختلاط. أمضى سنواته الأخيرة في حياكة القبعات التي ترك منها بعد موته نحو ثمانين قبعة وزعتها شقيقتي على المشاركين في جنازته.
مات جدي وبقيت صورته بالأبيض والأسود على جدار الغرفة.
والدي بعد عودته من بيروت، راح ينام في غرفة جدي. كأنه يمشي على الطريق نفسه. منذ أن بدأ ينام في تلك الغرفة صار يصلي كثيراً، ويذهب في الصباح والمساء إلى المسجد، بعدما أمضى أربعين عاماً في بيروت. والدي بعد عودته إلى البلدة راح ينام في غرفة أبيه، يشاهد منامات كثيرة، وهو إذ يفيق يروي تلك المنامات وكأنه هارب من كابوس، أو كأنه يصارع الموت، بل أصيب بداء الخوف من الموت.
يذهب إلى المسجد ويعود ثم يذهب إلى المسجد ويعود، وحين يأتي بخبر عن الموتى الجدد فتنقلب أحواله رأساً على عقب. كأن الموت يضع المسدس في رأسه ويستعد للضغط على الزناد. الموت ذبابة الزمن تطن في كل لحظة. باكراً تعرّف أبي إلى الموت، منذ توقف عن العمل صار يفكر بالموت في كل لحظة، يغلب على يومياته تشاؤم قاتم، وكلما أعلن في المسجد عن ميت جديد حارت الدمعة في عينيه.
"سأموت" يقول أبي في كل مرّة يكون منزعجاً، أو مفكراً بحياة الآخرين.
 تجيبه والدتي: "الجبانة واسعة"، وهي التي تآلفت أكثر مع الحياة المرض والتعب، تروى أن جدّها الأكبر كان يهرب من الموت، عندما يعلم أن أحدهم وافته المنيّة في بلدته لا يفكر في المشاركة في جنازته. يضع يده على خاصرته، تترقرق الدمعه في عينيه، يستقل سيارة أجرة هارباً إلى بيروت أو مناطق بعيدة.
"الموت حق" تقول أمي... وتروي أن جارتها أم اسماعيل حدادة في أيامها الأخيرة، كانت لا تغمض عينيها خوفاً من الموت، فهي عندما تجاوزت السبعين من العمر أجرت جراحة قلب مفتوح وبدأت تتألم كثيراً، عاشت خمسة عشر يوماً بعد العملية نائمة في سريرها، وهي لا تتجرأ على أن تغمض عينيها. ماتت أم اسماعيل ولم تغمض عينيها، بقيت مفتوحة على الحياة ثم ماتت.
 ثم تروي والدتي أسطورة تقول إن الله عندما أوقف الموت في مرحلة من المراحل، بدأ الناس يدعون ربّهم إلى إعادته لأنه حق. كانت أمي تروى "أسطورة" لا تعرف تفاصيلها ولم أقدر على نبشها من الكتب التراثية، لكني وجدت جوهرها في رواية "الموت في إجازة" لجوزيه ساراماغو، وفيها يطرح الروائي البرتغالي التساؤل المثير "ماذا لو توقف الموت عن العمل؟... ماذا لو استمرت الحياة دونما انقطاع؟" ففي مدينة تحيط بها اليابسة ويقطنها عشرة ملايين شخص يأخذ الموت إجازته في أول دقيقة من العام الجديد. تستمر الحياة كما هي. يمرض بعضهم، يتزوج بعضهم وينجب. بينما يُصاب بعضهم في حوادث سير أو إطلاق رصاص ولكن... لا أحد يموت.
يبتهج الناس في بادئ الأمر، فها هم يعيشون حلم البشرية الأزلي في الخلود دونما خوف من الزوال أو الاختفاء الفجائي للأحبة.  لكن الفرح لا يطول. تكتشف الكنائس ان خوف الناس من الموت قد زال وأدى إلى تناقص اعداد المترددين، يخاطب الكاردينال رئيس وزراء بلده قائلاً "إن الحياة دون موت... مثل الحياة دون خبز. وإن الحياة دون موت تلغي قوانين لعبة الحياة... فما الذي يحول بين الناس وارتكاب الموبقات بعد أن ضمنوا الخلود؟". تزدحم المستشفيات بالعجزة والمرضى الذين يتأرجحون على حافة الموت، تتفاقم أزمات السكن والبطالة، تنهار شركات التأمين وشركات المقابر الخاصة. وتدريجياً تعجز الدولة عن الوفاء بالتزاماتها تجاه مواطنيها لارتفاع كلفة المستشفيات وإيواء المرضى. تكتشف عائلات كبار السن المحتضرين أن العناية بهم ستدوم للأبد. وبما أن الدول المجاورة لم يتوقف فيها الموت فسرعان ما تدرك تلك العائلات أن الخلاص يكمن في تهريب العجزة إلى الدول المجاورة... ليصير التهريب إلى الموت تجارة رائجة تغضّ الدولة البصر عنها. وفي النهاية يواجه رئيس الوزراء ملك الموت بالحقيقة المرة. "إنْ لم يعد الموت... فلا مستقبل لنا".
***
 في كل مرة كنت ألتقي أبي، أتذكر ذلك المنام الذي رأيته قبل أن أغادر عرش ايل، مع أني في الواقع عندما أستيقظ من نومي أحذف المنامات كما لو أني أخاف من مضمونها وتفسيرها. كنت أهرب من مقابلة أبي لأني أحبه، ربما لأني أنظر إلى وجهي من خلال وجهه، أرى ظلي من خلال ظلّه، أحاول أن أقتله ولا أجده، وأمقت كل فكرة تدعو إلى قتل الأب.
                                               
من رواية "طيور الرغبة" لمحمد الحجيري
                                     
الصورة اعلاه "الطيور .." في مكتبة جرير السعودية

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top