تفسير علم الأعصاب للمفاوضات مع إيران

2:18:00 ص
الخميس 23 يناير   2004 ... جريدة الجريدة الكويتية
دافع وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف عن برنامج بلده النووي في شهر نوفمبر عبر رسالة جدية عُرضت على موقع {يوتيوب} فقال: {تخيلوا أن يُقال لكم إنكم لا تستطيعون القيام بما يقوم به الجميع. هل كنتم لتتنازلوا أو تتراجعوا؟ أم كنتم لتتمسكوا بموقفكم؟}.
صحيح أن 14 دولة فقط، بما فيها إيران، تخصّب اليورانيوم، لكن تطرح رسالة ظريف سؤالاً محورياً حول المحادثات المستمرة لعقد تسوية نووية نهائية مع طهران: لماذا أخضعت الحكومة الإيرانية شعبها لأسوأ نظام عقوبات في التاريخ المعاصر قبل أن تصل إلى هذه المرحلة؟ تشير التقديرات إلى أن برنامج إيران النووي القديم يحتاج إلى سنة لتخصيب كمية اليورانيوم التي تنتجها أهم منشأة في أوروبا خلال خمس ساعات.
بالنسبة إلى كثيرين، الجواب واضح: تسعى إيران إلى كسب إمكانات نووية (يُقال إن هذا الهدف تحقق أصلاً) أو حتى تصنيع أسلحة نووية. لكنّ الأطر المتعددة التي كانت تفسر الدوافع الإيرانية (منها المعطيات الجغرافية، والإيديولوجيا، والنزعة القومية، والسياسة المحلية، وسياسة التهديد) قادت المحللين إلى استنتاجات مختلفة. هل تريد إيران أن تسيطر الأسلحة النووية على الشرق الأوسط أم أنها تريد بكل بساطة أن تحتفظ بحق الدفاع عن نفسها في وجه الخصوم العدائيين القريبين والبعيدين؟ ما من تفسير واحد لأفعال طهران، لكن ثمة قاسم مشترك بين تلك الأطر وقد يساهم في توضيح منطق التفكير الإيراني: إنه الدماغ. التفاصيل من {ذي أتلانتك}.



لا يمكن فصل علم الأعصاب طبعاً عن الثقافة والتاريخ والجغرافيا، لكن ما من }استشراق} في الدماغ: المعطيات البيولوجية الأساسية للدوافع الاجتماعية هي نفسها في طوكيو وطهران وتينيسي. تتوقع مثلاً كيف يمكن أن تعيق غريزة العقل الطبيعية التي ترفض الظلم الرغبات الفطرية في المصالحة، وكيف يمكن أن يؤدي الإنصاف إلى مأساة. هذا ما يشير إلى أن المبادرات التصالحية الحقيقية تكون محتملة وطبيعية أكثر مما يظن كثيرون، ويمكن بذلك تحديد كيفية جعل مبادراتنا التصالحية أكثر فاعلية.
في الأساس، تتألف الدول من البشر الذين يقودونها، ويتوقف نجاح الحيوانات الاجتماعية مثل البشر على قدرتنا على التحكم بالتوازن بين التعاون والمصلحة الشخصية. قد تساعدنا الدروس الأربعة الواردة أدناه والمستخلصة من علم الأعصاب على فهم العوائق التي تم تجاوزها لبلوغ اتفاق نووي موقت مع إيران، فضلاً عن التحديات الهائلة التي يجب تجاوزها لعقد اتفاق شامل.


البشر يدفعون ثمناً باهظاً لرفض الظلم


بعد أكثر من ثلاثة عقود من التجارب المخبرية، تبين أن البشر مستعدون لرفض الظلم حتى لو كلّفهم ذلك الكثير. يرتكز الاستنتاج على معطياتنا البيولوجية: بعد عقد من الدراسات التي تستعمل التصوير الدماغي، تبين أن النشاط العصبي البشري، لا سيما في المنطقة القشرية العازلة، يعكس درجة دقيقة من الظلم في التفاعلات الاجتماعية.
في مثال كلاسيكي معروف باسم }لعبة الإنذار}، يحصل فرد على مبلغ من الأموال (10$ مثلاً) ويقترح تقاسمها مع لاعب ثانٍ (9$ له مثلاً و1$ للشخص الثاني). ثم يقرر الفرد الثاني قبول العرض (يحصل الشخصان على الحصة المقترحة في مطلق الأحوال) أو رفض العرض (لا يحصل الاثنان على شيء في الحالتين). رغم تلقي عرض بالحصول على أموال مجانية، يرفض اللاعب الثاني العروض التي تشمل أقل من 25% من المال في نصف المرات تقريباً. في الأساس، الظلم له قيمة سلبية تتفوق على القيمة الإيجابية للمال الذي يمكن أن يتلقاه الأفراد.
حتى الرئيسيات غير البشرية تقدم أدلة على وجود قابلية لديها لرفض الظلم. في دراسة شهيرة، طُلب من قردين من فصيلة الكابوتشين تنفيذ المهمة نفسها، لكن حصل أحدهما على مكافأة متكررة تتمثل بعنب أحمر وحلو المذاق بينما تلقى القرد الآخر الخيار. رداً على هذا الظلم الفاضح، أصيب القرد الذي تلقى الخيار بنوبة هستيريا.
يمكن أن يصبح الدافع لرفض الظلم، والإهانة الناجمة عنه، مترسخاً بعمق في الخطابات الوطنية وصناعة القرار. في عام 1951، رفض رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق سنوات من الاتفاقيات غير المنصفة لتقاسم الأرباح مع شركة النفط الإيرانية الإنكليزية التي يديرها بريطانيون عبر تأميم قطاع النفط الإيراني، مع أنه جازف في المقابل بمواجهة ردود انتقامية بريطانية. فرضت بريطانيا حظراً على شراء النفط الإيراني، ما أدى إلى إفلاس خزائن طهران وبلغت الأزمة ذروتها في الانقلاب الشهير الذي قادته وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وجهاز الاستخبارات البريطاني في عام 1953 ضد مصدق الذي أمضى بقية أيام حياته تحت الإقامة الجبرية.
بعد ستة عقود، بدا وكأن هذا الدافع لرفض الظلم الفاضح هو الذي حفّز طموحات إيران النووية بما يفوق الحاجة الفعلية إلى برنامج محلي للطاقة النووية. في السنوات الأخيرة فقط، خسرت إيران أكثر من 100 مليار دولار في قطاع الاستثمارات الخارجية وعائدات النفط للدفاع عن برنامج نووي لا يلبي أكثر من 2% من حاجات البلد إلى الطاقة. بعبارة أخرى، أضعفت إيران أبرز مصادر الدخل لديها (عائدات النفط والغاز) لأجل متابعة مشروع يحقق أرباحاً ضئيلة نسبياً. وفق تقديرات علماء الفيزياء النووية من أمثال فرانك فون هيبل من جامعة برنستون، كانت إيران لتتكبّد كلفة أقل بعشر مرات لاستيراد اليورانيوم المخصّب من الخارج، كما تفعل غالبية الدول التي تستعمل الطاقة النووية الآن (بما في ذلك الولايات المتحدة).
في مقابلة مع بوب ويندريم من قناة }إن بي سي نيوز}، اعترف المفاوض النووي الإيراني السابق حسين موسافيان بأن العار العالمي الذي تحمّلته إيران بسبب برنامجها النووي يتحدى المنطق الاقتصادي: }إذا كنا نتكلم عن المشروع النووي، فأؤكد أن منافعه لا تستحق الضغوط التي تحمّلناها بأي شكل. لكنّ المسألة النووية بالنسبة إلى الإيرانيين اليوم ليست نووية، بل إنها تتعلق بالدفاع عن كرامتهم وهويتهم المستقلة في وجه ضغوط الآخرين}.
تسأل طهران: ما الذي يمنح القوى العالمية الست (خمسة منها تملك مجتمعةً آلاف الأسلحة النووية) الحق بإملاء الشروط على إيران؟ لماذا أصبحت دول مثل الهند وباكستان (وهما ليستا من الدول الموقّعة على معاهدة حظر الانتشار النووي لكنهما قامتا سراً بتصنيع أسلحة نووية) أعضاء مقبولة من المجتمع الدولي بينما تُعتبر إيران (دولة موقِّعة على المعاهدة) بلداً منبوذاً على الساحة الدولية؟ من هي إسرائيل (بلد يُقال إنه يملك أكثر من 100 سلاح نووي) كي تشتكي من طموحات إيران النووية؟
قد لا نوافق على هذه المشاعر الإيرانية، لكن يخبرنا علم الأعصاب بأن رفض الظلم الواضح، حتى مقابل كلفة كبيرة، هو دافع قوي بحد ذاته.



مأساة الإنصاف وفق نظرية هيغل


يؤكد علم الأعصاب أيضاً على أن مفاهيم الإنصاف هي على درجة عالية من الذاتية. يمكن أن نفسر هذه الفكرة عبر استعمال }لعبة الإنذار} المذكورة أعلاه، حيث يحصل فرد واحد على هبة (10$ مثلاً) ويقترح عرضاً (تقسيم المبلغ بين 7$ و3$ مثلاً) يمكن أن يقبله الفرد الآخر أو يرفضه.
تلاعبت إحدى الدراسات مثلاً بأحكام الأفراد الذاتية بشأن عرض منصف بما يكفي عبر جعل المشاركين يخضعون في البداية لاختبار قصير لـ}كسب} الهبة. بعد تلقي المال بهذه الطريقة، تابعوا تقديم عروض منخفضة أكثر من العادة في }لعبة الإنذار}. ربما شعر الأفراد بأن تلك العروض المنخفضة هي منصفة بكل بساطة لأنهم اجتهدوا لكسب الأموال النقدية، لكن لم يشاركهم الفريق الثاني هذا الرأي فرفض العروض المنخفضة، وهكذا لم يحصل الفريقان على أي شيء.
بعبارة أخرى، أدت أحكام الإنصاف المتضاربة إلى جعل اللاعبين بوضع أسوأ. يشير تصوير الدماغ إلى أن تجربة الإنصاف الذاتية التي يمكن أن تؤدي إلى أحكام متضاربة تكون مشفرة في نشاط أدمغة الأفراد.
ما أهمية الطابع الذاتي المترسخ في مفهوم الإنصاف؟ يعكس نوع المأساة التي حددها الفيلسوف الألماني جورج هيغل في الحكايات الملحمية عن اليونان القديمة (أي المأساة التي تنشأ لأن كل فريق في الصراع يظن أن موقفه صائب).
اليوم، يمكن فهم الصراع الأميركي الإيراني والصراع الإسرائيلي الإيراني في سياق نظرية هيغل. بالنسبة إلى المسؤولين في طهران، تتعدد البنود على لائحة مظاهر الظلم الأميركي: مساعدة صدام حسين وتحريضه خلال الحرب الإيرانية العراقية (رغم استعماله للأسلحة الكيماوية)، وإسقاط طائرة مدنية إيرانية في حادث خلّف 300 قتيل تقريباً، والتخطيط لإسقاط الجمهورية الإسلامية.
بالنسبة إلى بعض المسؤولين في واشنطن، الإيرانيون هم كذبة بالفطرة وقد أخذوا أميركيين كرهائن لديهم في عام 1979 وارتكبوا أفعالاً إرهابية مشينة ضد القوات الأميركية في لبنان والعراق. عبّر جنرال أميركي سابق في الشرق الأوسط عن هذه النزعة حين سُئل حديثاً في المجالس الخاصة عن مدى استعداده لمقابلة قائد الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، فقال: }طبعاً لا... هو إرهابي!}. تعكس هذه الآراء ما يعتبره كل فريق معاملة منصفة للفريق الآخر.
صحيح أن المسؤولين الأميركيين والإيرانيين نجحوا حديثاً في تجاوز هذه المشاعر السلبية، لكن سيكون تجاوز العداوة بين طهران وتل أبيب أصعب بكثير. منذ الثورة الإيرانية في عام 1979، كان رفض وجود إسرائيل إحدى أبرز الركائز الإيديولوجية للجمهورية الإسلامية. أنفقت طهران مليارات الدولارات لدعم الجماعات المقاتلة مثل }حزب الله} و}الجهاد الإسلامي}. من المعروف أن الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد كان يشكك بمحرقة اليهود ويشير القائد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، إلى إسرائيل كـ}نظام غير شرعي تقوده كلاب مسعورة ومنبوذة}.
بالنسبة إلى إسرائيل، إيران عبارة عن نظام ديني متعصب يقضي هدفه المعلن بتدمير الدولة اليهودية. في مختلف المناسبات، قارن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو النظام الإيراني بألمانيا النازية واعتبره كياناً جامحاً بقيادة متعصبين يرتكبون إبادات جماعية. يقول المقربون من نتنياهو إنه يعتبر نفسه حامي الشعب اليهودي. بالتالي، من الطبيعي أن ترغب إسرائيل في منع بلد ينكر وجودها من امتلاك الإمكانات التي تسمح بتصنيع سلاح نووي.
يعتبر كل بلد منهما أنه الفريق المظلوم. في سياق عسكري، تتحدث إيران عن ترسانة إسرائيل الواسعة من الأسلحة النووية وتعتبر نفسها داود الذي يواجه جالوت الإسرائيلي. وفي سياق جغرافي، تعتبر إسرائيل نفسها داود الذي يواجه جالوت الإيراني. في النهاية، يبقى حجم إسرائيل أصغر بثمانين مرة من إيران.
حين يشعر الفريقان في أي صراع بأنهما يمثلان الفريق العادل، يصبح خيار التسوية مبهماً.



المصالحة والمبادرات التصالحية هي نزعات طبيعية


الإنصاف قد يولّد الخلاف، لكننا بطبيعتنا لا نعاقب على الظلم ولا نبقى بالضرورة في حالة صراع دائم إلى أن يستسلم الفريق الآخر. تشير التجارب إلى أن البشر ليسوا تنافسيين أو يهتمون بمصالحهم الخاصة فحسب، بل إنهم يميلون أيضاً إلى التعاون.
تظهر الآليات العصبية التي تطلق مفهوم التعاون وتحافظ عليه في دراسات عدة ترتكز على التصوير الدماغي وهي تشمل القشرة الأمامية العازلة (منطقة دماغية تحلل العواطف والمعايير الاجتماعية). في }لعبة الثقة}، يحصل اللاعب الأول على مبلغ من المال (20$ مثلاً) في كل جولة ويمكن أن يستثمر أي جزء منه (10$ مثلاً) مع اللاعب الثاني. ثم ترتفع قيمة الاستثمار بثلاثة أضعاف ويقرر اللاعب الثاني كمية الأموال التي يريد إعادة تسديدها (مثل إعادة 13$ والاحتفاظ بـ17$). التعاون، حيث يتم استثمار مبالغ أعلى قبل أن يُعاد تسديدها، يفيد الطرفين لكنه يحمل خطر الاستغلال.
حين تلعب الثنائيات في جولات متعددة، نلحظ كيف يصلح البشر الأعطال عبر التعاون. وعندما ينهار التعاون وتتراجع الاستثمارات، غالباً ما يبني الأفراد التعاون عبر تقديم مبادرات تصالحية أحادية الجانب على شكل تسديدات مرتفعة (رغم المجازفة بأن توضَع المبادرات السخية في الجيوب من دون استردادها). يستعمل البشر مبادرات مماثلة كأداة لإدارة التوازن الأساسي بين المصلحة الشخصية والتعاون.
عكس انتخاب الرئيس الإيراني حسن روحاني في عام 2013 توق الشعب الإيراني إلى المصالحة بعد ثماني سنوات من العدائية المتواصلة تجاه الغرب. سوّق المسؤولون الإيرانيون خلال عهد محمود أحمدي نجاد فكرة مفادها أن البلد كله يدعم سياسة المقاومة، لكن تميّز روحاني عن منافسيه الإيديولوجيين خلال الحملة الرئاسية بنزعته البراغماتية. أكد خلال إحدى المناظرات الرئاسية: }من الإيجابي أن نشغّل أجهزة الطرد المركزي شرط أن نضمن أيضاً حياة الناس ومعيشتهم}.
لكن لا تتعلق المسألة الأساسية بما إذا كان الإيرانيون، أو حتى روحاني، مستعدين للمصالحة، بل بمدى استعداد آية الله خامنئي ونخب الحرس الثوري للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة مع الولايات المتحدة. منذ نشوء الجمهورية الإسلامية في عام 1979، ارتكزت إيديولوجيتها الثورية على مقاومة الولايات المتحدة.
هذا ما عبّر عنه رئيس التحرير حسين شريعتمداري الذي يُعتبر عموماً كاتب الاختزال لخامنئي: }هوية الفريقين هي جزء من هذا الصراع... ما حدث لم يحصل عن طريق الصدفة. إنه أمر بنيوي. ستُحَلّ المشكلة حين يتخلى أحد الفريقين عن هويته}. يوافق عدد من أعضاء الكونغرس على وجهة نظر شريعتمداري وقد تؤدي رغبتهم في الضغط على إيران عبر تشريع عقوبات إضافية إلى إضعاف الاتفاق النووي الذي يبدو أصلاً موقتاً وهشاً.
يخبرنا علم النفس بأن المصالحة الحقيقية تكون طبيعية، لكنه أمر نادر في العلاقات الأميركية الإيرانية المعاصرة. قال وزير الخارجية الإيراني ظريف حديثاً: }آمل أن يقدّر الجميع المعنى التاريخي لهذه العملية. فهي قد تغير مسار علاقاتنا مع الغرب}.



المبادرات التصالحية غير المتوقعة هي الأكثر فاعلية

تقدم الآليات العصبية التي تقف وراء المبادرات التصالحية مؤشرات تجعلها أكثر فاعلية: هذا ما يجعلها غير متوقعة. لماذا؟ كلما كانت المكافأة أو العقوبة مفاجئة، يكبر تأثير الحدث على عملية صناعة القرار. وفق عشرات تجارب التصوير الدماغي، يملك الدماغ آلية معقدة لاحتساب الاختلاف الأساسي بين ما هو متوقع وما يحدث فعلاً.
على مستوى العلاقات الدولية، غالباً ما تتم مراعاة هذه النتيجة لفرض العقوبات (الأثر النفسي لأي اعتداء مفاجئ كان محورياً بالنسبة إلى الاستراتيجية منذ عهد سون تزو). لكن يمكن قول الأمر نفسه عن المبادرات الدبلوماسية (لنأخذ مثلاً الزعيم المصري أنور السادات في مبادرة السلام تجاه إسرائيل، حين خاطب الكنيست في عام 1977). إذا بقيت الولايات المتحدة وإيران على طريق الانفراج، قد يتحدث المؤرخون بعد سنوات عن مبادرات تصالحية غير متوقعة لشرح مسار الأحداث.
في عام 2009، أرسل الرئيس المنتخَب حديثاً، باراك أوباما، رسالة غير متوقعة عبر الفيديو إلى شعب إيران و}قيادة جمهورية إيران الإسلامية}. ثم استكمل هذا التواصل العلني عبر توجيه رسالتين غير مسبوقتين إلى خامنئي، موضحاً أن الولايات المتحدة تهتم بإقامة علاقة جديدة مع إيران. لم يكن قادة إيران مستعدين لردّ مبادرات أوباما بالمثل، لكن أعطى الرئيس الأميركي انطباعاً جيداً للرأي العام الإيراني مفاده أن الولايات المتحدة تهتم بِطيّ صفحة الماضي.
بعد أربع سنوات، أدت المقاربة الدبلوماسية غير المتوقعة عبر موقع }تويتر} للرئيس المنتخَب حديثاً روحاني ووزير الخارجية جواد ظريف إلى تغيير نبرة الجدل القائم بشأن السياسة الخارجية في الملف الإيراني. لم نعد فجأةً نوشك على خوض حرب مع إيران بل صرنا على وشك تحقيق إنجاز دبلوماسي. تعززت تلك التوقعات الإيجابية بعد الاتصال الهاتفي غير المسبوق بين أوباما وروحاني خلال اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في شهر سبتمبر وزادت الثقة في البلدين بشأن الدبلوماسية الواعدة.
لكنّ زيادة الأثر الفاعل تترافق مع مخاطر إضافية. قد تتخذ المصالحة المفاجئة مساراً مريعاً إذا لم تقابلها مبادرة مماثلة أو إذا اعتُبرت مؤشر ضعف. الإيرانيون الذين يدافعون عن المصالحة يُعتبرون خونة بينما يُشبَّه الأميركيون الذين يفعلون ذلك بنيفيل تشامبرلين. يعلّمنا علم الأعصاب أن نعتبر العوامل غير المتوقعة أداة دبلوماسية.



لا شك في أن علم الأعصاب لا يوفر أي علاج شافٍ: سيكون الحل الشامل للصراع النووي بالغ الصعوبة لأنه يحتّم التوفيق بين المخاوف الأمنية الإسرائيلية والإيديولوجيا الإيرانية والسياسة المحلية الأميركية. الصراع النووي الإيراني يتعلق في جوهره بعامل الثقة. لا تظن الولايات المتحدة أن نوايا إيران سلمية بالكامل، وتظن إيران من جهتها أن الملف النووي هو مجرد حجة لتغيير النظام. فيما يحاول الطرفان التفاوض على اتفاق نهائي، يمكن أن تساعدنا هذه الدروس المستخلصة من علم الأعصاب على فهم طبيعة قلة الثقة بين واشنطن وطهران.
فهم تلك المصالحة يعكس غريزة بشرية طبيعية لكنها معقدة لأن التقارب الذي يتوق إليه الشعب الإيراني قد يكون أخطر من استمرار الصراع الموجَّه بالنسبة إلى كبار قادة طهران. لا شك في أن مستقبل العلاقات الأميركية الإيرانية سيتحدد بالمفاوضات داخل طهران وواشنطن (وتحديداً بين البراغماتيين الذين يسعون إلى التعاون والمتشددين الذين يشككون به)، وبين طهران وواشنطن. يتوقف نجاح البشر على إدارة المقايضة الحساسة بين الصراع وبين التعاون، ويمكن تحقيق هذه المهمة عبر آلياتنا العصبية المذهلة.


http://www.aljarida.com/news/index/2012643796/تفسير-علم-الأعصاب-للمفاوضات-مع-إيران/tag:76

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا