كمال اللبواني(*)... لماذا تصر أميركا على عقد جنيف؟

2:09:00 ص

استخدمت الولايات المتحدة في الملف السوري فريقا ديبلوماسيا سبق له أن خدم في العراق. وبذلك نقلوا معهم وجهة نظرهم عن المقاومة العراقية ليسقطوها على الثوار المجاهدين في سوريا ، وأدت عقدهم ومخاوفهم المتراكمة من تجربتهم في العراق كجيش احتلال، لفقدان تعاطفهم مع الثورة السورية التي تدعي أميركا صداقتها، فكانت تقاريرهم تشوه الصورة لدى الادارة البعيدة، وسلوكهم ينم عن التخوف والكراهية أكثر من المودة والمساعدة. حتى سادت في واشنطن القناعة بأن انتصار الثورة يعني انتصار القاعدة والعدو الألد، فتحولت السياسة الأميركية عن دعم الثورة لمحاولة فرض خيار ثالث لا تنتصر فيه الثورة (الاسلامية المتطرفة) ولا النظام الحليف لإيران. ولكون هذا الخيار لا حامل عسكري ولا اجتماعي له، بسبب الاستقطاب المجتمعي والاقليمي، وجدت الخارجية الأميركية في مسار جنيف الروسي التصميم والهادف لإنقاذ النظام، وسيلة لتجميع (المعتدلين؟) من الطرفين، وتشكيل خيار ثالث... وتنازلت للروس عن شرط رحيل الأسد، بهدف التعاون لتشكيل حالة وسط ما بين الطرفين، قافزة فوق المشكلة ومسببها وفوق سنوات من الحرب والجرائم التي فاقت كل تصور، وكأن شيئا لم يكن. وتبين بعد تعرقل هذا المسار وتأخره لسنة ونصف، أن هذه السذاجة السياسية لا أمل لها بالنجاح في ظل حرب ضروس ورطت الجميع وطالت كل شيء، وحرضت ذكريات صراع اقليمي تاريخي طائفي سياسي قومي متجذر في التاريخ. وعليه تبين أن صيغ الحل الوسط لا مكان لها في سوريا التي هي أمام خيارين: إما أن تحافظ على هويتها التي هي هوية الأغلبية، أو أن تندثر كدولة وتتشظّى بعد تحويل الأغلبية العربية السنية لأقلية بواسطة المجازر والتهجير والابادة .

وعليه أصبح عدم انعقاد جنيف يعني فشلا شخصيا لوزير الخارجية الأمريكية مهندس هذه الفكرة، الذي يضغط بكل ما أوتي لمجرد عقد جنيف بأي وسيلة وأي شكل وبمن يقبل الحضور. ولا يهمه بعد انعقاده لو فشل المجتمعون، فالفشل يومها سيكون فشلهم هم وليس فشل كيري - لافروف، ومثل هذه الشخصنة والأنانية الواضحة في السياسات لا تهتم بمقدار الألم والمعاناة المترتبة عنها. وهي أيضا بالإضافة إلى لا أخلاقيتها تمثل سياسة النعامة التي تدفن رأسها في التراب وتتنكر لكل الواقع .

منذ البداية عمل الفريق الديبلوماسي الأميركي من أجل الهيمنة على قرار الثورة، واختار لهذه المهمة من يسمع ويطيع من رموز المعارضة الخارجية والداخلية، بل من تسبب في فشل قيادتها، وعطل عن عمد واصرار أي انتاج لقيادات حقيقية ترتبط بالأرض، وقدم المساعدات بطريقة ملتبسة بحيث يكون ضررها أكثر من نفعها، وكان الهدف دوما هو الحفاظ على التبعية... كما جاهد هذا الفريق لكي يفتت مكونات المجتمع السوري ويحطم وحدته، بتشجيع كل الأقليات على التمايز والابتعاد عن الأغلبية، وركز على افتعال قضية حقوق وحماية الأقليات بينما التي تذبح هي الأغلبية، وعمل على فرط العقد الوطني التاريخي الذي كان برعاية الأغلبية وضمانتها، ووجه دعمه لتحالف الأقليات والعلمانيين والشيوعيين، في مواجهة العروبة والاسلام، وجعل الديمقراطية على نقيض الهوية والدين والثورة أيضا، وجعل ممثلي الثورة المزعومين وكلاءه يسيرون مبتعدين عن الثورة وعن قيمها وأخلاقها وأهدافها.

كما لم تضغط أميركا كفاية لمنع جيش النظام من دخول المعركة ضد الشعب، بل كانت راضية عن تورطه وتحطمه وتفككه، وغضت النظر عن تحطم بنية الدولة كلها ودمار بنيتها، ربما لكونها دولة مجاورة ومعادية لإسرائيل وذات نزعة قومية واضحة ودور اسلامي تاريخي .. وعندما مالت الكفة لصالح الثوار المجاهدين، لم تمانع دخول قوات لبنانية وايرانية وعراقية المعركة، فاستنزاف ايران ومحورها هدف استراتيجي أيضا . ثم ترددت في تنفيذ تهديدها بعد استعمال الكيماوي خوفا من سقوط النظام، و سارعت لقبول عودة ايران لصفوف الطاعة بدلا عن توجيه الضربة العسكرية .

ومع استسلام ايران المخادع... وتحولها من عدو مناور، إلى صديق متقلب، لم يعد لأميركا عدو ظاهر في المنطقة سوى الشعوب الثائرة التي تهدد الاستقرار الآسن الذي صار لصالحها، لذلك عادت السياسات الأميركية لسابق عهدها ( دعم أنظمة الفساد والاستبداد والتخلف وقمع الشعوب ) تلك السياسة التي انتقدتها ادارة بوش بعد أيلول 2001،. وانتهت مرحلة حاولت فيها الولايات المتحدة تغيير سياساتها في الشرق الأوسط. وعادت أدراجها لسياساتها العدائية السابقة... وصار عليها أن تتوقع موجة جديدة من الكراهية والتطرف تجاه سياساتها ومصالحها. أقلها لباس الثوار شكل القاعدة في كل مكان في الشرق الكبير كعنوان واعلان عن كراهيتهم .

بعد حادث أيلول 2001 تبنت الولايات المتحدة سياسة هجومية ضد الارهاب، وعملت على محورين الأول ضربات عسكرية لمواقع التنظيمات التي تصنفها ارهابية (ليس لطبيعتها بل لعدائها لأمريكا فقط )، ومحور ثاني سياسي مبني على فكرة بسيطة هي أن الاستبداد هو سبب التخلف والعنف والبؤس ويهيئ الأرضية لنشوء الارهاب. و أن دعم أنظمة الاستبداد والفساد هو رسالة كراهية وحقد لشعوب المنطقة سرعان ما تولد رد فعل مضاد لأميركا ومصالحها، ليصبح الارهاب سلاح الضعيف في مواجهة غطرسة القوي المتجبر... لذلك لا بد من الدفع نحو الديمقراطية في الشرق الأوسط الكبير، لكن نجاح الاسلاميين في الانتخابات في أكثر من مكان جعل ادارة بوش تتردد في دفعها نحو التغيير الديمقراطي، كما أدى الفشل بعد الضربات العسكرية في اعادة الاستقرار، لاستبدالها بالحرب الناعمة عبر تجفيف منابع التمويل والاستهداف النوعي للمنظمات وعودة الاعتماد على الوكلاء. ومع مجيء ادارة أوباما زادت سرعة التراجع عن فكرة دمقرطة الشرق، وعن استخدام القوة. لصالح الانسحاب من الدور الفاعل في المنطقة واللعب على التوازنات المحلية. مما أدى لقفزة في سوية الاستبداد والفساد الذي فجر الربيع العربي، ومع طغيان المد الاسلامي فيه قررت الادارة الضعيفة الانسحاب من الشرق الأوسط، وتسليم المنطقة لوكلاء محليين أو أصدقاء دوليين، معلنة افلاسها النهائي ورغبتها في الانكفاء لمعالجة جراحها الاقتصادية البالغة، الناتجة عن نمو اقتصادات الشرق البعيد. وبدل أن تلعب أميركا دورها في قيادة العالم، تترك المنطقة في فوضى عارمة وحالة من الغليان والأزمات المنتشرة في كل مكان، التي سرعان ما تنفجر حروبا أهلية واقليمية وربما عالمية. نحن نعتبر أميركا أحد أهم مسبباتها كونها هي من جاءت بأنظمة الفساد والاستبداد وهي من دعمتها وثبتتها، وعلى رأسهم نظام آل الأسد الذي تسعى مع روسيا لإنقاذه، من خلال مسار جنيف بأي وسيلة وطريقة.

وللعلم فإن سياسات الأنظمة الغربية هي المسؤول عن سفك الدماء. وعن الحروب القادمة التي تدق الأبواب في الشرق الأوسط ، ومع ذلك تحمل راية السلام لتخدع بها شعوبها .

شكرا أيها الصديق، الذي لا يفهم الصداقة سوى تبعية وتخلي عن الحرية والهوية والعقيدة .

أما نحن كعرب مسلمين نسكن هذه المنطقة ونشكل أغلبيتها .. وحيث يعجز العقل والمنطق والحق ... فإلى الحرب سر رررر .... حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا .

)*) مركز دراسات الثورة

عن الفايسبوك

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا