الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة


يقف المرء حائراً وقلقاً في تفسير ما حصل أمام السفارة الإيرانية في بئر حسن ببيروت، ليس فحسب لأن السفارة كانت هدفاً لعملية إرهابية انتحارية مزدوجة، مدمّرة وفاتكة، بل لأن ذلك يستدعي الأسئلة الآتية: ما الذي يجعل شابين في مقتبل العمر، يختاران تفجير نفسيهما في السفارة الإيرانية بالذات؟ ما الذي يجعلهما يلجآن الى اختيار هذا الأسلوب الوحشي لتحقيق هدف ما، أو للانتقام لواقع ما؟ هل هو "الواجب الجهادي"، أم أن هذين الشابين هما نتاج الأزمات السياسية والصدمات المتكررة التي تحصل في لبنان والمنطقة؟! وهل فكّر السياسيون في جوهر ما حصل وسيحصل، أم أن هدفهم الأوحد هو التوظيف السياسي للأحداث وتعميق الشرخ والانقسام؟

الحيرة والقلق كبيران في لبنان، لأن الانتحاريين، لم تطل شظاياهما السفارة الإيرانية ومحيطها فحسب، بل أصابت كل شخص في لبنان، وفجرت كل الخطط الأمنية التي كانت متبعة، سواء من الأجهزة اللبنانية أو من ميليشيا "حزب الله". فالمراقبة لا تنفع مع الانتحاري، ولا تنفع الاجراءات الأمنية المكثفة والمشددة. هو أشبه ما يكون بلصّ الأرواح. إنه الشبح المتنقل في اللامكان، وفي كل مكان. يمكن رصده، ولكن من الصعب ردعه أو إيقافه. فهو يتخلى عن حياته في سبيل ان يفجّر الآخرين أو ينتقم منهم بكبسة زر. هو أيضاً مثل أسلحة الدمار الشامل، بل أشد فتكاً ورعباً. إنه مثل "الأسلحة الذكية"، إذا جاز التعبير، لأنه يختار هدفه بدقة، ويجعل الآخرين من حوله مجرد أشلاء متناثرة وحرائق ملتهبة ومباني بكماء خاوية ونفوساً مضطربة.
لا يمكن قراءة التفجير الإرهابي الذي طال السفارة الإيرانية بمعزل عما يجري في لبنان من "حرب طائفية باردة"، أو بمعزل عما يفعله النظام السوري المدعوم بقوة من ايران، من تصفيات دموية وقتل بالبراميل المتفجرة. كما لا يمكن قراءة التفجيرات الانتحارية بمعزل عن الحرب نفسها وما تحمله من تداعيات، ولا يمكن قراءة هذه الظاهرة بمنأى عن الفكر التكفيري "القاعدي" أو الذي يشبهه بطريقة مقنّعة، أو الفكر التخويني والإلغائي. الفادحة الكبرى أن الصراعات الإقليمية جعلت الكثير من الشبان مشاريع انتحاريين، ذلك أن الانتحاري ليس الذي يفخخ جسده ويفجر الآخرين فحسب، بل هو أيضاً ذلك الذي يذهب إلى الجبهة تحت مسمّى "الواجب الجهادي"، أو تحت مسمى "جبهة النصرة".

أين الجرأة في قراءة ما يجري؟
قد يكون من المغالاة ربط ما حصل في بئر حسن بـوعد "الحور العين"، فالقضية أبعد من ذلك بكثير. من السذاجة أيضاً ربط الانتحار بالنص الديني والفقهي، وخصوصاً النص الاسلامي الذي يحرم بشكل مطلق قتل النفس، لكن بعض الجماعات المتطرفة تستطيع تجنيد الشبان من أجل العمليات الانتحارية، كما استطاعت الجماعات العلمانية من قبل أن تقوم بالفعل نفسه. سمعنا وسنسمع إدانات واستنكارات كثيرة للتفجير المزدوج في بئر حسن. لقد أتحفنا وسيتحفنا غلاة "حزب الله" بالكثير من الخطب والمحاضرات والمواعظ عن صواب خياراتهم في محاربة التكفيريين قبل مجيئهم الى لبنان، كما أتحفنا وسيتحفنا غلاة 14 آذار بأن مشاركة "حزب الله" في الحرب السورية استدرجت الويلات الى لبنان. لكن لا أحد من هؤلاء جميعاً سيجرؤ على قراءة الأمور كما هي. سيقول بعض السياسيين إن فكر "القاعدة" أصبح في عمق لبنان بعد تفجيري السفارة الإيرانية، لكن ماذا عن تفجيرَي مسجدَي السلام والتقوى في طرابلس؟ إلى أيّ فكر ينتمي منفّذوهما؟ وإلى أيّ فكر ينتمي منفّذو عشرات الاغتيالات السياسية والأمنية، عدا محاولات الاغتيال في لبنان؟ أليس هؤلاء أخطر من تنظيم "القاعدة" وإن كانوا بلون آخر؟
المحنة أن كل المنطق الإتهامي قائم على واقع قبلي، ولعبة "إرهاب بزيت وإرهاب بسمنة". ليس هناك جرأة في قراءة الوقائع كما هي في لبنان. لن يعترف "حزب الله" بأنه يمارس التعسف والعنجهية حيال الطوائف الأخرى، ويمارس سطوته كما لو أنه الحاكم بأمره، في حين أن الآخرين مجرد أهل ذمة. ولن يعترف "حزب الله" بأن بعض أفراده متهمون بعمليات اغتيال، وهو صنّفهم في خانة "القديسين".
من جهته، لن يعترف "تيار المستقبل" بهشاشته أمام تنامي التطرف في محيطه. فهو يتصرف كالخائف والمذعور على دوره، ويحاول مراعاة ما يجري، لكنه يتحمل مع "حزب الله" وباقي القوى مسؤولية ما يجري. إن الإحداث التي نشأت منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005 مروراً بحرب تموز 2006 و7 أيار 2008 وإسقاط حكومة سعد الحريري ثم تركيب حكومة نجيب ميقاتي، وأحداث عبرا وطرابلس، فضلاً عن الصراعات الاقليمية، هي عوامل كافية لنشأة جيل شبابي مضطرب وغير سويّ، ومفتقر إلى الرشد. ثمة فئة من الشبان تشعر بالنشوة والانتصار والعنجهية والطيش، كأنها لا ترى في الدنيا غير نفسها. ثمة فئة أخرى تشعر بالأزمة والذل والظلم، وهي بلغت الذروة في هذا الشعور، وأصبحت تفرز انتحاريين، وقد تجلى ذلك في عملية بئر حسن.

بيئة حاضنة أم تاريخ طويل؟
في ظل "البازار" السياسي والإنقسام المذهبي الحاصلين في لبنان، نقرأ تفسيرات وتعليلات كثيرة عن تفجيرَي بئر حسن، عن المنتحرَين وبيئتيهما وعائلتيهما ومدينتهما وسلوكياتهما وتوجهاتهما العقائدية، وعمن جنّدهما وموّلهما. سيخرج كثيرون ليلقّنونا دروساً عن وجود تنظيم "القاعدة" في لبنان وعن انتشار التكفيريين. وستكون القضية مسلسلاً بمئات الحلقات والسيناريوات، وخصوصاً أن لبنان زاخر بمئات وسائل الإعلام والمواقع الالكترونية وأباطرة الـ"توك شو" الغريبي الأطوار في التحليلات والاستنتاجات، ربما المدفوعة الثمن. بعضهم يتصرف كأنه المحقق والقاضي ورجل الأمن والسجّان، ولديه قدرات خارقة في كشف الحقائق والنيات وتوجيه الاتهامات ذات اليمين وذات اليسار.
من السذاجة ربط تفجيرَي بئر حسن الانتحاريين بما يسمى "البيئة الحاضنة". فليس هذا النمط من العمليات وليد اليوم في لبنان، وليس انتحاريا السفارة الإيرانية هما أول من لجأ إلى هذا الأسلوب الحربي المقرون بالهول والوحشية، وليس تنظيم "القاعدة" الوكيل الحصري لهذه الأعمال المرعبة والإرهابية. دعاة "الحداثة" السياسية كانوا السبّاقين إلى مثل هذه الأفعال تحت مسمّى العمليات الثورية والعنف السياسي والواجب الجهادي والاستشهادي، مستندين في ذلك الى تنظيرات سياسية ماركسية وفوضوية وماوية وخمينية. في أرشيف الذاكرة سلسلة طويلة من العمليات الانتحارية، ينتمي أصحابها إلى عقائد متناقضة ومضادة ومتباعدة (شيوعية، ثورية، فلسطينية، اسلامية، بعثية، قومية...). من منا لا يتذكر تفجير السفارة العراقية في بيروت في بداية الثمانينات، عندما استخدمت الأجهزة الإيرانية، بدعم من "حزب الدعوة" العراقي انتحارياً لتفجير السفارة العراقية في بيروت، فدُمّرت السفارة وقُتِل السفير العراقي وقسم كبير من الديبلوماسيين والعاملين فيها، وسقطت أيضا بلقيس الراوي زوجة الشاعر نزار قبّاني التي كانت تعمل هناك. بعد تفجير السفارة العراقية، فُجّرت السفارة الأميركية في بيروت وقُتل في العملية التي نفّذت في نيسان 1983 عدد كبير من العاملين في السفارة، إضافة إلى مواطنين لبنانيين أبرياء كانوا يمرّون أمامها أو يقيمون في محيطها. توالت العمليات الإيرانية في لبنان. ففي الثالث والعشرين من تشرين الأول 1983، فجّر مقر "المارينز" قرب مطار بيروت، بواسطة انتحاري، كذلك فُجّر بالطريقة نفسها، مقرّ قيادة الوحدة الفرنسية التي كانت تعمل في إطار القوة المتعددة الجنسية (أميركية، فرنسية، بريطانية، وإيطالية).
لجأت إيران إلى العمليات الانتحارية كوسيلة حربية ضد الغرب. وفي أثناء الحرب الإيرانية - العراقية في الثمانينات من القرن الماضي تدفق شلال الدم الإيراني عندما قام فتى لا يتجاوز الثالثة عشرة من عمره بتفجير نفسه على مقدمة دبابة عراقية بواسطة حزام ناسف، وقد احتفلت طهران بهذا الفتى.
لا تقتصر العمليات الانتحارية على الإيرانيين في لبنان، فالحزب الشيوعي له رصيده في هذا المجال، والحزب السوري القومي الاجتماعي، وحزب البعث، في عمليات انتحارية ضد اسرائيل، قرابين لنظام الأسد (مع فارق جوهري في الأهداف بين انتحاريي "القاعدة" والانتحاريين ضد اسرائيل). لا تقتصر هذه الظاهرة فقط على الشرق الأوسط أو العالم الإسلامي أو الشعب الفلسطيني بالتحديد، لأنها بدأت كظاهرة عسكرية عند شعوب وانتماءات أخرى مثل الطيارين اليابانيين "الكاميكاز" في الحرب العالمية الثانية ونمور التاميل في سري لانكا، وهي جماعة ماركسية- لينينة ينتسب أعضاؤها إلى عائلات هندوسية، لكنهم شديدو المعارضة للدين. هذا، بالطبع، إذا تركنا خارج دائرة الاهتمام الآن أعمال العنف التي عُرفت بها مجموعة "بادر ماينهوف" في ألمانيا، والجيش الإيرلنديّ في بريطانيا، ومنظمة "إيتا" في إسبانيا، أو منظمة "الألوية الحمراء" في إيطاليا، وعَلمانيين فلسطينيين أواخر الستينات. هنا يضيع التفكير، إذ ثمة من يبرر بعض العمليات الانتحارية باعتبار أنها تحصل ضد "العدو". السؤال: من هو العدو؟ كل فريق يبرر أفعاله الارهابية ويضعها في خانة النبل والسمو والجهاد والاستشهاد، أما النتيجة فغالباً ما تكون واحدة.
لا يمكن تبرير التفجير الذي حصل أمام السفارة الايرانية، لكنه لا ينفصل في وجه من وجوهه، عن الخطب السياسية التي ساهمت في طحن الوعي الاجتماعي والثقافي، ولا ينفصل عن صراع الهويات الدينية التي تستحضر شعارات عمرها عشرات القرون الغابرة، من "لبيك يا زينب" إلى "يا عمر". هو جزء من الحرب الدائرة في سوريا التي تلسع نارها لبنان، خصوصاً بعد مشاركة عناصر لبنانية في القتال الى جانب النظام الأسدي أو ضده. ولعل أبرز تحليل للعمليات الانتحارية في خضم الحرب، ما كتبه عالم الإناسة طلال أسد (لا يمت بصلة للرئيس السوري) في كتابه "التفجيرات الانتحارية" عن "المركز الثقافي العربي"، يتطرق إلى أمور غاية في الخطورة في إطار الحرب الأميركية على الإسلام والمسلمين، ويحاول إزالة اللبس عن بعض المفاهيم، ويناقش سقوط الأبرياء خلال العمليات الانتحارية، بالمقارنة مع سقوط الأبرياء في الحرب النظامية، سواء أكانت هذه الحرب عادلة أم ظالمة، على اعتبار أن النتيجة واحدة في الحالتين وهي "سقوط أبرياء". يؤكّد أسد من خلال منهجيته في التحليل أنّ الإرهاب والتفجير الانتحاريّ ليسا أشدّ عنفاً، ولا أكثر قتلاً للأبرياء من الحروب التي تخوضها دول ليبيرالية أو ديكتاتورية على السواء. ذلك "لأنّ الحرب، عادلة أكانت أم ظالمة" تفعل ما يفعله "الإرهاب"، و"قسوة أيّ جيش رسميّ أو جماعة إرهابية ذاتُ صفات مشتركة كثيرة". غير أنّ "الدول القوية لا يتمّ إخضاعها أبداً لمحاسبة (...) وأنّ الضعفاء المهزومين فقط يمكن تجريمهم بجرائم الحرب كما بالجرائم التي هي ضدّ الإنسانية".
ردّاً على كثيرين ممن يكتبون عن الإرهاب، يقول أسد إنّ "التفجير الانتحاريّ المدروس ليس حادث غضب غير قابل للتحكم"، بل هو "القتل الذي يردّ على الظلم بانتهاك القانون"، إنه "الفعل العفويّ حين تكون أبواب الوسائل السياسية المشروعة مسدودة". بالطبع كل اعمال العنف مدانة بالنسبة لي ككاتب وصحافي، ولكن حين أتأمل في الواقع السوري ولغة البراميل المتفجرة والتجويع والحصارات والتشرد، لا أستغرب أن يثمر هذا الواقع عشرات الظواهر التي تجرّ الويلات على المجتمعات. وحين أتأمل في السياسة اللبنانية وما يكتنفها من خلل في التوازن السياسي والطائفي وشعور بالقهر والاسئثار والفوضى، ربما لا أستغرب أن يصبح بعض الشبان المتشددين أو الضعفاء قنابل شبحية، أو قد يتحولون عصابة، كجماعة الأسير، أو انتحاريين أو ما شابه.

نتيجة واحدة: سقوط الأبرياء
بين ما تفعله براميل طائرات الاسد المتفجرة وما فعله تفجير الانتحاريين في بئر حسن، ثمة نتيجة واحدة: سقوط أبرياء. يبقى الفرق بين إرهاب الدولة وإرهاب الهجمات الانتحارية، أن الأخيرة تثير الاشمئزاز لأن منفِّذ الهجوم، بمبادرته هذه، يمنع أوّلاً بأول تنفيذ أيّ آلية قضائية لمعاقبته: إذ إنّه يموت مع ضحاياه. وعندما يجمع في عمل واحد، الجريمة والعقاب، يجعل العقوبة مستحيلة ويعطّل قيام عدالة جوهريّة تستند إلى معاقبة الجاني. فهو لن يبقى قادراً على دفع ثمن فعلته.
في الدراسات السيكولوجية أن الانتحاري يعتبر نفسه ممثلاً للمجموعة، فيفقد بذلك فرديته، وهو عندما ينتحر فإنما يحاول تحصيل حق المجموعة ليرفع من شأنها، بغض النظر عمن يقــتل من الجهة الأخرى، والمجتمع الذي يعيش فيه الانتحاري هو عــادة مجتمع يعاني من صدمات متكررة بحسب ما يقول البروفسور فاميك د. فولكان الذي يعتبر أنه يصعب هنا الخوض في نقاش حول المبادئ الأخلاقية أو الدينية التي تؤيد هذه العمليات أو تعارضها، لأنه سيبقى ثمة خلاف في الاجتهاد حولها، ولكن ما يجب مناقشته والتوافق عليه هو الجدوى السياسية لهذه العمليات.
رامي زيدان

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top