"طيور الرغبة " ذكرى للزمن الآتي... بقلم رباب دبس

2:13:00 ص
في روايته "Œطيور الرغبة"(منشورات ضفاف)˜  يحكي الكاتب اللبناني محمد الحجيري سيرته الذاتية  انطلاقاً من محطاته العديدة، منذ ان غادر قريته البقاعية المفترضة (عرش ايل)، حينها، حرق ذاكرته ومشى، كانت طفولته لم تبرح النصوص الذي كتبها، وفيها شيء من جغرافياً الروح،  وهوى  في تغريدته الأولى خارج سرب العائلة والقرية، متوجهاً الى ثكنة الرميلة، مقر أحفاد لينين، كما سماها، حيث اكتشف لأول مرة عفن التقاليد الاجتماعية القائمة في النفوس، ورأى أن قراءة لينين لم تغير شيئاً في مسار العصبيات. ثم منتقلاً  الى مبنى الإذاعة وكافيتيريا الإذاعة في وطى المصيطبة، الذي عمل فيها حارساً ليلاً، حيث الرغبات الجامحة والمكبوتة تحلق من الطابق السفلي الذي ينام فيه تحت الأرض الى الطابق الحادي 11 عشر من المبنى نفسه. بين الكافيتيريا ومبنى الإذاعة التي وصلها ممنياً النفس بأن يرى شكل الحب الأول في المدينة؟ متسائلاً عن إمكانية انتهاء الرغبة مع عري النساء؟
هارباً من السواطير الاجتماعية في قريته البقاعية الى الهلاك الفردي في المدينة، وقد أصبحت حياة ممن التقاهم  فصلاً من روايته وذكرى لزمن قادم... إنها الرواية الأكثر امتلاء  بتفاصيل الحرب وما تركته من وشم على  أجساد ونفوس كل من عاش فيها، والكاتب أحدهم حيث فتش عن أمكنة لأفكاره، في الورق الذي اعتبره كفن للكلمات. بهذه العبارات حكى عن شغفه بالكتابة، وعن المدينة التي أراد ان يقبض على أحداثها ويدونها ذكريات للزمن القادم.
يصف الكاتب منطقة الحمرا بـ"انتيكا الحنين"، شعراءها  يشكلون واجهة الشارع، ويعيشون متاهة بين ماضيهم وحاضرها الذي يأبى الاعتراف بما آلت اليه،  مدينة تتنازعها محنة الانفصال عن ماضيها، حيث تلتبس العلاقة فيها بين الحب والكراهية وبين الانفصال عنها والانصهار فيها، من يدخلها لا يشفى منها أبداً،  تلوثه، تحبه، ثم تلفظه. لكنها أصبحت جزءاً من حياتهم اليومية وضمت قصائدهم ولوحاتهم وثرثراتهم في الليالي والأيام.
ويتساءل الكاتب ما الذي فقدته هذه المدينة؟
المكان الذي فارقه رواده، يروي حكاياته الكثيرة، ذاك شارع الحمراء، الفضاء السحري الواسع يحضر بأرصفته وضجيجه وحياة الليل في حاناته القديمة، شي اندريه، كافيه دو باريس، المودكا، الويمبي،  في ما مضى  كان الشعراء والأدباء والفنانون يعطون للمكان روحه، لكنهم تفرقوا وتركوا وراءهم  أمكنة هجرت لحنها، في مدينة أصبحت  هجينة  عصية على الثبات، بعدما تحول معظم مقاهيها الى محلات للملابس او شركات أو مطاعم للوجبات السريعة.
يقارب الكاتب بين تجربته مع اليسار وما علّمت في ذاكرته، وبين أبوه الذي ظلت حياته علامة استفهام ولوعة حيث  توقف عن الكتابة لحظة توفي والده الذي بقي محنطاً في ذاكراته مثل لينين.
Œطيور الرغبة˜  اسئلة القلق والترقب، حيث طغى اللاوعي الجماعي في زمن الانقسامات  الطائفية  وصعود الاسلام، والتفت كل جماعة حول ايقونتها وزعيمها خوفاً من الزوال، فالجماعة كمال يقول الكاتب:  تتجمع حول الميثولوجيا لأنها تجمعهم رواية الحرب السلم، والأمكنة التي هجرها اصحابها، رواية المنازل القديمة التي هدمت وحلت مكانها الأبنية العالية، بعدما قضى وحش الاستثمارات على ما تبقى من مساحات فيها،  وما بقي من اختلاط في  نفق الفرز الديمغرافي  الطائفي الذي حولت معالم المناطق الى لون واحد.
في الرواية يظهر شغف الكاتب بالقراءة وموقفه الارتيابي الذي تشكل بشكل مبهم، وشكّل هويته التي لا تشبه المدينة التي يكتب عنها، ولا الإنسان الذي صاره فيما بعد، حيث يسبح في فضاء الرواية طيف  لكافكا وفرويد ونيرفال وسارتر وبورخيس،  ويتساءل  عن إمكانية مقاومة كل الاحتلالات في الحياة، من الكتابة التي يعتبرها وسيلة للاعتراف للنجاة من طوق الحنين، الى الأبوة  وسؤالها الغامض الذي بقي دون جواب.
كيف يتحول الملحد الى مؤمن؟ واليساري الى يميني؟ والمناضل الى تاجر؟ أسئلة طرحها الكاتب في خضم روايته، وفي قعر المدينة التي  امتلأ فيها حتى التخمة، ولأن الكلمات تموت مع أصحابها ويضيع معناها في متاهة الحياة.  فقد كتب رواية كي يحتفظ بالحنين  لأنه شكل من أشكال تحنيط الزمن.
ولعل أكثر القناعات التي دونها الكاتب والتي عبرت عن تحولات المدينة: Œهذه المدينة تتنازعها رياح العمائم ورياح مادونا وشاكيراً ورياح السيوف والسواطير ورياح الرغبة˜ 
لكن الكتابة بنظر الكاتب لا تتوقف الا حين تموت، لذلك فقد توقف الكاتب عن الكتابة حين مات أبوه.

رباب دبس/ كاتبة لبنانية
خاص الرومي

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا