الحمل

محمود درويش وحكاية هذه المقابلة /الكمال فـي الشعر مستحيل، لذلك أفكر دائماً بالنقصان

محمود درويش وحكاية هذه المقابلة /الكمال فـي الشعر مستحيل، لذلك أفكر دائماً بالنقصان
مقابلة مع محمود درويش

انتشرت قبل أشهر صورة لافتة تجمع الشاعر الروسي ماياكوفسكي (1893- 1930) والرسامة السوريالية فريدا كاهلو (1907 – 1954)، وبدأت التعليقات عليها مع علامات الإعجاب والدهشة والمديح، باعتبار أنها صورة نادرة ومميزة لكبيرين في مجال الثقافة.
بعد ساعات على نشر صورة تجمع ماياكوفسكي وفريدا كاهلو على موقعي التواصل الاجتماعي "فايسبوك" و"تويتر"، دقق أحد المهتمين بسيرة الفنانين وبصورهما فتبين أن الصورة الـ"فايسبوكية" مركبة ومزيفة ومجرد خدعة قام بها أحد هواة "الفوتوشوب" ونشرها من باب التسلية، فتلقفها عشاق الـ"فايسبوك" وأثنوا على أنها نادرة وجميلة. في المقابل، ندد بعضهم بالممارسة الثقافية التضليلية عبر الإنترنت واعتبر أنها تسيء إلى الرموز الثقافية، كما يسيء بعض المسلسلات إلى الرموز الدينية. وحتى الآن هناك من يصدق أن الصورة الحقيقية ويعتبر أنه مكتشفها.
خُدع الجمهور الـ"فايسبوكي" بصورة فريدا كاهلو أولاً، إذ ركَّب هاوي "الفوتوشوب" صورتها وهي عارية على صورة نجم روك يحمل مسدساً، ثم خدع الجمهور مجدداً بأن أضاف الهاوي نفسه صورة ماياكوفسكي وهو يحمل سيجارة إلى صورة فريدا. في الواقع، لا نعرف إن كان الشاعر التقى الرسامة يوماً، فثمة فرق في العمر بينهما، ومسافة بعيدة بين شاعر يعيش في روسيا ورسامة تمضي حياتها في المكسيك، في زمن رداءة المواصلات وقلتها.
للوهلة الأولى، يظن المتلقي أن صورة الرسام والشاعرة حقيقية، التقطها المصور بطريقة احترافية قاصداً منها تعابير وإيحاءات محددة، خصوصاً أن فريدا تحمل المسدس ومجموعة رصاصات على خصرها وترتدي سترة شبه ممزقة على صدرها وتنظر نظرة ثاقبة، والأمر نفسه في الشاعر الروسي الذي يحمل سيجارة ويبدو كعمال المناجم.
الصورة خدعة "فوتوشوب"، لكن ربما تؤسس في المستقبل لخداع ثقافي بات ممكناً في زمن الإنترنت و"الجهل" إذا جاز التعبير، أو لنقل إنها خداع زمن ما بعد الحداثة، فنظريات ثقافية كثيرة قائمة اليوم على الخداع والكذب واستهبال القراء، وثمة معارض تجهيز أيضاً جوهرها النفاق والغش، ولا عجب في اللجوء إلى الخداع من خلال الصورة المذكورة.
ربما يمكن لأحدهم مستقبلاً التأسيس لرواية حب بين الشاعر والرسامة، واللافت في الصورة المزيفة أن فريدا تبدو كنجمة سينمائية تحمل المسدس، علماً أنها أبعد ما تكون عن المسدسات وإطلاق النار والعنف فهي رسامة الألم بامتياز، إذ أصيبت في السادسة من عمرها بشلل الأطفال وأدّى ذلك إلى شلل إحدى ساقيها، وجعل مشيتها غير متزنة. وترك هذا الأمر تأثيراً سيّئاً في أعماق نفسيتها مدى حياتها، فلم تستطع أن تعيش حياة طبيعية، لذلك كانت تلبس جوارب ثخينة حتى في أيام الصيف كي تخفي عيوب ساقها. وما لبثت أن استعادت الأمل في الحياة عندما بدأت الرسم في عمر مبكر، في الثانية عشرة، حتى تعرضت في عام 1925 إلى حادث حافلة فأصيبت ساقاها وحوضها بشكل كبير، ما جعلها متمدّدة في السرير على ظهرها لا تستطيع الحركة لمدّة عام كامل، والأمر نفسه حرمها من إنجاب الأولاد طوال حياتها حتى بعد زواجها في عام 1929 من رسام الجداريات دييغو ريفييرا الذي كان له دور مهمّ في توجّهها نحو الرسم.
وعلى رغم انفصالها عنه ظلّت فريدا تحبّ دييغوا ريفييرا، وقالت ذلك بكلّ وضوح في رسالة إليه بتاريخ 23 يوليو 1935: «أرى نفسي اليوم أنني ما توقّفت عن حبّك وأنّني أحبّك أكثر من جلدي، وحتى لو أنك لا تحبّني بنفس القدر، فإنّك على الأقلّ تحبّني قليلاً، أليس كذلك؟ وإذا لا، فأنا احتفظ دائماً بالأمل للوصول إلى ذلك، وهذا يكفيني. أحبّني قليلاً وأنا أعبدك». في عام 1937، هرب الزعيم الشيوعي تروتسكي من بطش ستالين وذهب إلى المكسيك، فكان منزل فريدا الشهير بالبيت الأزرق في ضاحية كويوكان في مكسكيو مكاناً آمناً لإقامته. في عام 1939، ذهب فريدا إلى باريس حيث كان يفترض بالشاعر أندريه بروتون مساعدتها في العثور على صالة للعرض، لكنه لم يحسِن الاهتمام بالمعرض. وخلال الافتتاح، تلقّت الفنانة التهاني والإطراء من الفنانين بيكاسو وكاندينسكي وميرو. مع ذلك، احتفظت من هذه الرحلة بطعم المرارة.

سيجارة
لماذا اختار هاوي تزييف الصور فريدا وماياكوفسكي ليجمعها في صورة؟ هل هي العبقرية أم نحن أمام الولاء السياسي؟! ما نعرفه أن فريدا كانت مقربة جداً من تروتسكي، عدو ستالين الأبرز وقد قتله في الختام. أما ماياكوفسكي فكان ضحية ستالين ونظامه البائس، فالشاعر الذي ينتمي إلى حركة "المستقبليين" الأدبية، وطاف أرجاء الاتحاد السوفياتي بعد قيام ثورة 1917 الشيوعية ليلقي شعره على الجموع، كان له مع ذلك أعداء يصعب حصرهم.‏‏
ونتيجة شعوره بسوء المعاملة، وحرمانه من السفر إلى باريس من القيادة السياسية القديمة في زمن ستالين، شرب مايكوفسكي الكحول ووجه فوهة مسدسه إلى مكان الخافق المعذب: قلبه.‏ وأطلق رصاصة واحدة... كان ذلك في الساعة الثامنة من صباح 14 أبريل عام 1930، عن 37 سنة، تاركاً بجوار جثته رسالة كتبها في ليلة الانتحار جاء فيها: "إلى الجميع هأنذا أموت الآن... لا تتهموا أحداً، ولا تثرثروا فأنا أكره الثرثرة. يا أمي، يا إخوتي، يا رفاقي، يا حكومتي، أطلب عفوكم. إنها ليست طريقة للخلاص تناسب أحداً إلا أنا، فلست أوصي غيري أن يسلكها... الحادث أصبح منتهياً وزورق الحب تحطم على صخور الحياة... عيشوا سعداء".
محمد حجيري

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top