الجمعة، 24 يناير 2014

بثينة... المترجمة الأبدية - بيسان الشيخ

SHARE


بيسان الشيخ-صحيفة الحياة
تفوقت بثينة شعبان على نفسها أخيراً حين قالت في مقابلة تلفزيونية إن مجزرة الغوطة الكيماوية ارتكبتها المعارضة السورية بأن نقلت الأطفال والرجال من قرى اللاذقية إلى مشارف دمشق لتسميمهم بالغاز!
تعابير وجه شعبان وهي تطلق هذيانها ذاك بقيت على السوية نفسها من التماسك والجدية والثقة بالنفس بما لا يتناسب مع موجات الضحك العارم والسخرية التي تلت المقابلة، وكادت تطغى على قضايا أكثر جدية تحاك لسورية الآن.
يحار المرء في توصيف مخيلة قادرة على اجتراح ذرائع تقارب الخيال العلمي، وتقديمها للرأي العام الغربي خصوصاً، بصفتها حججاً قابلة للتصديق ووقائع يمكن التحقق منها. وتابعت شعبان حديثها بالزخم نفسه بأن دعت المجتمع الدولي «الى إجراء تحقيق جدي يعتمد البحث العلمي كما يفعل عادة». واستحضرت مزيداً من الذرائع التي تطرب الممانعين ومؤيدي نظام الاسد، لكن الضحك الذي أثاره كلامها عن مجزرة الغوطة أطاح كل ما عداه.
ولا شك في أن المستشارة الإعلامية شعرت برضى ضمني إذ فاجأت رئيسها نفسه بمدى ولائها له وقوتها في الدفاع عنه وقلب المعطيات رأساً على عقب لتلميع صورته. لنا نحن أن نتساءل في المقابل إن كانت تلك «خطة إعلامية» تمت مناقشتها مسبقاً مع بقية المستشارين أم هي لحظة ارتجال واندفاعة ذاتية تعكس تخبط إدارة الأسد في تبرير جنوح غير محتسب النتائج. رأى البعض أن شعبان تستخف بعقول السوريين عندما تتحدث بهذه البلاهة مفترضة تصديقها، فيما ذهب البعض الآخر إلى اعتبار أن التوجه الى رأي عام غربي باللغة الانكليزية هو مما يحاكي مزاجاً أوروبياً وأميركياً معادياً للضربة العسكرية، وإن شعبان متيقنة من وجود أصداء ما لأسطورتها.
والحال إن تلك الآراء تعطي شعبان أهمية ليست لها. فهي كما يقال بالعامية «ارادت أن تكحلها فأعمتها»، ولو تسنى لها ارتكاب حماقة أخرى من هذا النوع لكان مجلس الأمن أول من يسرع الضربة العسكرية ضد النظام.
لكن ما حدث ليس بالأمر اليسير. هو مضحك لا شك، لكنه مذهل بفجاجته. فالمعنيون هنا ليسوا «علوج» الصحاف وإنما أطفال ومدنيون قتلوا خنقاً في الملاجئ. والحال ان الابتعاد مسافة قليلة عن تصريحات شعبان الأخيرة، والنظر في شخصيتها ومسيرتها المهنية، يكشفان أنها لا تفعل شيئاً إلا انتظار هذه اللحظة تحديداً. لحظة تطلق فيها فكرتها هي، وتعلن قراءتها هي وتحظى بثوان من النجومية لا تتقاسمها مع أحد. فهي لم تخرج يوماً من عباءة المترجمة الأمينة لأفكار القائد، ولشدة تماهيها معه، تفوقت على نفسها وعليه. فلسنوات مضت، وعلى رغم تبوئها مناصب سياسية واضطلاعها بأدوار «ثقافية» وتمتعها بهامش حركة واسع نسبياً في بلد مقيد بشخص واحد وفكر واحد، بقيت بثينة شعبان وفية لفكر القائد الأبدي، وآثرت أن تكون ظل رجل آخر. تجلس في الخلفية وتهمس في أذن الرئيس. هي غير موجودة إلا بالنسبة اليه. ولا ترفع صوتها إلا لتكرر كلامه على مسامع قادة وزعماء آخرين. إنها وجهه «اللطيف» أمام الغرباء. تصغي وتعيد وترسخ اقواله ومواقفه. لعبت دورها على أكمل وجه وغسلت دماغها بيديها.
هي بمعنى ما، فخر مدارس الترجمة التي تعلم طلابها نكران الذات والآراء مقابل نقل أفكار الكاتب/ المتحدث بأفضل طريقة ممكنة. إنه تدريب على الأمانة في حمل المعنى والفكرة والعبارة وتطويع اللغة والقدرة الذهنية لإحداث الأثر المعنوي نفسه لدى المتلقي من لغة وثقافة مختلفة. الوفاء هنا هو لفكر الآخر ورأيه ونظرته وشعوره. تقمص الآخر والتعبير عنه كما كان ليفعل هو. هل من قسوة أكثر من ذلك؟ لكن هذا تحديداً ما فعلته شعبان وبلغ ذروته في مقابلتها الأخيرة. كانت ببساطة وفية لما اختبرته لسنوات وتعرفه وتعتقده الصواب. هي لحظتها المشتهاة في أن تكون مرة أخرى وفية لـ «الاب القائد» الذي جعل صوتها ذات يوم صـوتـه... قـبل أن يـأتي ابن يـتحـدث الانـكليزية ويـبعـد عنـه هذا الظل الثقيل.
SHARE

Author: verified_user

0 facebook: