فريدريش نيتشة.... إنساني مفرط في الإنسانية

7:13:00 ص


إلى روح فولتير
ربما سيكون من المفيد أن نذكّر في مستهل هذه الترجمة بأن كتاب "إنساني مفرط في الإنسانية" الذي جعل له نيتشة عنوانا فرعيا: "كتاب للمفكرين الأحرار" قد أراد له  أن يكون تكريما لفولتير "محرر العقل الكبير" كما كان يسميه. وقد حرص على أن يكون صدوره يوم 30 ماي 1878 الذي يوافق الذكرى المئوية لوفاة الفيلسوف الفرنسي. كما أن الطبعة الأولى التي صدرت سنة 1878، والتي كانت في الحقيقة الكتاب الأول من المؤلف الذي سيصبح فيما بعد جزئين-أو كتابين- كانت تحمل هذا الإهداء: "مهدى إلى فولتير في الذكرى المئوية لوفاته يوم 30 ماي/نيسان 1778." ثم سيختفي هذا الإهداء في الطبعات اللاحقة، كما اختفت منها الفقرة المترجمة عن اللاتينية لرينيه ديكارت، التي نجدها هنا تحت عنوان"بمثابة تقديم"، وقد مثلت في تلك الطبعة الأولى لسنة 1778 نوعا من الاستهلال أو التقديم.
وفي رسالة إلى صديقه بيتر غاست بتاريخ 31 ماي 1878 يقول نيتشة إن شخصا مجهولا قد أرسل إليه من باريس منحوتة نصفية للفيلسوف في "يوم فولتير" مرفوقة بكلمة: "روح فولتير تعبر عن تقديرها لفريدريش نيتشة." ونيتشة الذي لا يخفي إعجابه بفولتير واعتباره فيلسوف التنوير الحقيقي يضعه راية فكرية مهمة ضمن ثلاثي يضم إلى جانبه بيترارك (1304-1374) وهو صديق لبوكاشيو وصاحب مؤلفات باللاتينية من أهمها De contemptu mundi (في احتقار العالم) و De vita solitaria (عن حياة العزلة) و De vera Sapientia (في العلم الحقيقي)، مؤلفات لا يمكن إلا أن تكون مصدر إلهام لنيتشة. أما المفكر الثالث فهو إراسموس نوتردام (1466-1536) مؤلف كتاب مديح الجنون. تلك هي "الراية الثلاثية للأنوار" بالنسبة لنيتشة(الشذرة رقم 26 من هذا الكتاب.
                                                  المترجم

                                                                                                                                        





                     الفصل الأول

              عن الأشياء الأولى والأخيرة

                           1

 كيمياء الأفكار والأحاسيس
تتخذ المسائل الفلسفية اليوم وفي كل أمر تقريبا  صيغة السؤال نفسه الذي كان يطرح قبل ألفي سنة: كيف يمكن لشيء أن ينشأ عن نقيضه، كأن ينشأ المعقول عن اللامعقول مثلا، والحسّاس عن الميت، والمنطق عن اللامنطق، والرؤية اللانفعية عن إرادة التملك، والغيريّة عن الأنانية، والحقيقة عن الخطأ؟ وقد نجحت الفلسفة الميتافيزيقية إلى حد اليوم في تتدبر مخرج لها من هذه المعضلة برفضها لنشأة الواحد عن الآخر، وبأن افترضت للأشياء التي كانت تمنحها قيمة سامية، أصلا خارقا نابعا مباشرة من صميم وجوهر "الشيء في ذاته".  وبالمقابل كانت الفلسفة التاريخية، أحدث ما وجد من المناهج الفلسفية، والتي لم يعد من الممكن  تصورها بمعزل عن العلوم الطبيعية، تقر من خلال النظر في الحالات المنفردة (ومن المرجح أن ذلك سيكون حكمها في المجمل أيضا) بأن الأمر لا يتعلق بمتناقضات، إلا في المبالغات المعتادة  للتصورات  الشعبية أو الميتافيزيقية، وأن هذه المقابلة متأتية عن خطأ قد ارتكبه العقل: ليس هناك قطعا حسب تفسيرها لا سلوكات غير أنانية ولا رؤية غير مصلحية خالصة، والأمران لا يعدوان كونهما محض تصعيدات تجعل العنصر الأساسي يبدو شبه متبخّر، ولا يكشف عن وجوده إلا للمعاينة الأكثر دقة. إن كل ما نحتاجه، وما غدا ممكنا لنا أن نحصل عليه الآن ولأول مرة بفضل المستوى المتطور لكل من العلوم المعاصرة على حده، هو كيمياء للتصورات والأحاسيس الأخلاقية والدينية والجمالية، ولكل الانفعالات التي نعيشها في علاقاتنا الصغرى والكبرى بالثقافة والمجتمع، بل وفي الوحدة: وماذا لو أن هذه الكيمياء تخلص بنا في هذا المجال إلى نتيجة مفادها أن الألوان البديعة تستخلص من المواد البخسة والمحتقرة؟ هل سيكون هناك الكثيرون ممن سيرغبون في متابعة مثل هذه البحوث؟ إن الإنسانية تفضل أن تطرح عن ذهنها كل الأسئلة المتعلقة بالأصل والبدايات: ألا ينبغي على المرء أن يكون مجردا من إنسانيته تقريبا كيما يحس في نفسه بميل مناقض لهذا الميل؟

                                      2          
خطأ الفلاسفة المتوارث
 يعاني جميع الفلاسفة من الخطأ المشترك نفسه، وهو أنهم ينطلقون من الإنسان المعاصر ويعتقدون أنهم سيبلغون الهدف  من خلال ما يجرونه عليه من تحليل. ودون إرادة منهم يتراءى لهم "الإنسان" في هيأة aeterna veritas-حقيقة خالدة، شيئا ثابتا عبر كل الأعاصير، ومقياسا موثوقا لكل الأشياء.  غير أن كل مقولة للفيلسوف عن الإنسان لا تتعدى في الحقيقة كونها شهادة عن إنسان مجال زمني محدود للغاية. إن الافتقار إلى الحس التاريخي، هو الخطأ المتوارث لكل الفلاسفة، والبعض منهم يبلغ بهم الأمر، وفي غفلة منهم حد اتخاذهم خطأً أحدث شكل للإنسان، كذلك الذي نشأ تحت تأثيرات دينية بعينها، أو حتى تحت تأثيرات أحداث سياسية بعينها، على أنه الشكل القار الذي ينبغي على المرء أن ينطلق منه. إنهم لا يريدون أن يتعلموا أن الإنسان نتاج صيرورة، وأن ملكة المعرفة نفسها نتاج صيرورة هي أيضا، فيما يذهب البعض منهم حد استنباط العالم بكليته من ملكة المعرفة هذه. –غير أن مجمل ما هو جوهري في تطور الإنسان قد حدث في العهود السحيقة من الزمن قبل هذه الأربعة آلاف سنة التي نعرفها بصفة تقريبية بكثير، وهي الحقبة الوجيزة التي يبدو أن الإنسان لم يتغير كثيرا خلالها. لكن ها أن الفيلسوف يرى "غرائز" في الإنسان المعاصر ويعتقد أنها مما ينتمي إلى المعطيات الثابتة للإنسان وعليه فإنه بإمكانها أن تمنحنا مفاتيح لفهم العالم عموما ، و على قاعدة هذا المعطى تأسس مجمل علم اللاهوت، بما جعل المرء يتكلم عن إنسان الأربعة آلاف سنة الأخيرة كما لو كان يتكلم عن إنسان خالد اتخذت مجمل الأشياء منذ بدايتها اتجاها طبيعيا منقادا إليه. غير أن كل شيء قد صار، وليس هناك من معطيات خالدة؛ كما لا وجود لحقائق مطلقة. وعليه فإن تعاطي فلسفة تاريخية سيكون بدء من الآن أمرا ضروريا بالنسبة لنا، وبمعيتها فضيلة التواضع.

                                    3
تقدير الحقائق غير الظاهرة
إنها لعلامة مميزة لثقافة راقية أن تعرف كيف تمنح الحقائق الصغيرة الخفية، التي تم العثور عليها بواسطة منهج شديد الصرامة أكثر تقديرا مما تمنح للأخطاء المبهِرة التي تمنح المسرة، والتي نشأت عن عصور وأناس كانت مشاغلها ميتافيزيقية وفنية. أول ما يقابل به النوع الأول من الحقائق هو الهزء والسخرية على كل لسان، كما لو أن لا مكان هنا لشيء من مساواة في هذه المقابلة: فبقدر ما تتراءى الأولى متواضعة، متقشفة، بل ومحبِطة على ما يبدو، تبدو الثانية جميلة، باذخة، مسكرة، بل وربما حاملةَ غبطة أيضا. غير أن ذلك  المحصّل بالجهد والعناء، ذلك الثابت والدائم والذي سيفرز تبعا لذلك فوائد جمة بالنسبة لكل معرفة قادمة، لهو الأرقى، وسيكون الانتصار له موقف فحولة، وعلامة شجاعة واستقامة واتّزان. وشيئا فشيئا لن يتوقف هذا الارتقاء إلى مقام الفحولة على الأفراد فقط، بل سيشمل الإنسانية في مجملها، عندما تكون قد تعودت بالنهاية على منح تقدير أكبر لما هو متين ثابت ودائم من المعرفة، وتكون قد تخلصت نهائيا من كل إيمان بالإلهام  وبالحقائق المتلقّاة  بضروب من المعجزات. وسيكون، والحق يقال، لأنصار الشكل، بمعاييرهم عن الجميل والجليل، ما يكفي من الأسباب للهزء والسخرية بمجرد أن يشرع تقدير الحقائق المغمورة والعقل العلمي في بسط سيطرته؛ لكن ذلك يعود إما لكون عينهم لم تتلاءم بعد مع سحر الشكل الأكثر بساطة، أو لكون هؤلاء الذين تربوا على مثل هذه الروح العلمية لم يتشبعوا بعد بها باطنيا وكليا، مما يجعلهم يعودون دوما ودون وعي منهم إلى استنساخ الأشكال القديمة (وبطريقة رديئة جدا، تماما مثل واحد لم يعد معنيا حقا بقضيته).  في ما مضى لم ينصرف العقل إلى ما يتطلبه التفكير الصارم من اعتناء، بل ظل اهتمامه منصبا على ابتداع الرموز ونسج الأشكال. غير أن هذا الأمر قد تغير الآن، فتلك الجدية المولاة للرمز أصبحت من العلامات المميزة لثقافة من المستوى الأدنى، وكما أن الفنون قد غدت أكثر فأكثر عقلية وحواسنا أكثر روحانية، وكما أصبحت تقييماتنا لما هو مستساغ للحواس مغايرة لما كانت عليه قبل مئة سنة، فإن أشكال حياتنا ما فتئت تغدو هي الأخرى أكثر تشبعا بالعقل، ربما أكثر قبحا في نظر العصور القديمة، لكن لسبب وحيد وهو أنها لم تكن قادرة على أن ترى كمْ أضحت مملكة الجمال الباطني والروحاني تزداد عمقا واتساعا، وكم أصبحنا جميعنا نبجل رؤية مشبعة فكرا على أجمل مركّب أو أعظم معلم معماري.

                                 4                            

التنجيم وما شابهه
 من المحتمل أن تكون موضوعات الأحاسيس الدينية والأخلاقية والجمالية متصلة بسطح الأشياء فقط، بينما يحلو للإنسان أن يعتقد متوهما أنه قد لامس هنا على الأقل جوهر الكون. وهو إنما يقع في الوهم لأن تلك الأشياء تسبب له شعورا عميقا بالسعادة أو بالشقاء، ويكشف بذلك عن نفس الشعور بالفخر الذي يبديه إزاء علم التنجيم. فهذا الأخير يعتبر أن الكواكب تدور كلها حول مصير الإنسان؛ في حين يفترض الإنسان الأخلاقي أن ما يشغل قلبه جوهريا، لابد أن يكون هو جوهر الأشياء وقلبها.

                                  5   
سوء فهم للحلم.
  كان إنسان عصور الثقافات البدائية الخشنة يعتقد أنه يتعرف في الحلم على عالم حقيقي ثان، من هنا كان منشأ مجمل الميتافيزيقا. فمن دون الحلم لم يكن للإنسان أن يجد مبررا للانشطار الذي أحدثه على العالم. وللفصل بين الروح والجسد علاقة بذلك التأويل القديم للحلم أيضا، وكذلك فرضية الصورة الظاهرية للروح في الجسد، يعني أصل كل اعتقاد في الأرواح، وربما أصل الاعتقاد في الآلهة أيضا. "الميّت يواصل الحياة، ذلك أنه يظهر للأحياء في الحلم": هكذا كان الاستنتاج الذي ظل متداولا على مدى الآلاف من السنين في الماضي." 

                                  6
روح العلم قوية في الجزء وليس في الكل
 يتم التعامل مع المجالات العلمية في أجزائها الصغيرة المنفصلة بموضوعية تامة، وبالمقابل تثير العلوم العامة الكبرى لدى معاينتها ككلٍّ السؤال الذي هو سؤال غير موضوعي في الحقيقة: لأي غرض؟ وأي فائدة من وراء ذلك؟ وبسبب هذا الاعتبار المنفعي يتم التعامل معها إذن بأقل موضوعية مما يتعامل مع أجزائها. وفي الفلسفة خاصة، بما هي قمة هرم العلوم عامة، فإن السؤال عن فائدة المعرفة عامة يرى نفسه يطرح بصفة لا إرادية، ولا شعوريا تأخذ كل فلسفة على نفسها مهمة منحها أعظم الفوائد. ولهذا السبب نرى كل الفلسفات محملة بكم هائل من الميتافيزيقا المحلّقة وبنفور كبير من الحلول التافهة ظاهريا التي تقدمها الفيزياء، إذ لا بد أن تظهر أهمية المعرفة بالنسبة للحياة على أرفع وأعظم ما يكون. هنا يكمن التناقض بين مختلف الفروع العلمية والفلسفة. فهذه الأخيرة تريد ما يريده الفن، أي أن تمنح الحياة والعمل أكبر ما يمكن من العمق والمعنى، بينما لا يبحث المرء في الأولى إلا عن المعرفة، ليس أكثر، -كائنا ما كانت النتيجة. وإلى يومنا هذا لم يوجد فيلسوف لم تتحول الفلسفة على يديه إلى مديح للمعرفة، وعلى هذا المستوى على الأقل يكون كل واحد منهم متفائلا، بما هو مطالب بإضفاء طابع الفائدة العظمى على هذه الأخيرة. إنهم جميعهم واقعون تحت السلطان المستبد للمنطق؛ والمنطق تفاؤل في جوهره.

                                            7
مشوّش الأفراح في العلم
  لقد انفصلت الفلسفة عن العلوم عندما طرحت سؤال: مع أي معرفة من معارف الكون والحياة يكون للإنسان أن يحيا على أسعد وجه؟ حدث ذلك في المدارس السقراطية؛ وعبر منظور السعادة تم خنق البحث العلمي-وما يزال ذلك متواصلا إلى يومنا هذا.

                                             8  
تفسير روحاني للطبيعة
 تقدم الميتافيزيقا قراءة روحانية لكتاب الطبيعة مماثلة لما فعلته الكنيسة وعلماؤها من قبل مع الأناجيل. ولا بد من قدر كبير من الذكاء كي نستطيع أن نطبق على الطبيعة نفس المنهج التفسيري الصارم الذي طبقه الفيلولوحيون اليوم على كل الكتب، متحلين برغبة أن نفهم فقط ما يريد النص أن يقوله، لا أن نتحسس معنى مزدوجا ما، أو أن نفترضه. لكن، وكما أن الطرق التفسيرية السيئة لم يتم تجاوزها على الإطلاق بعد، حتى في ما يتعلق بالكتب، وأن المرء ما يزال يصطدم حتى في أوساط المجتمع الأرقى ثقافة ببقايا التأويلات الاستعارية والروحانية، فكذلك هو الأمر في ما يتعلق بالطبيعة، بل وأسوء بكثير.

                                           9
العالم الميتافيزيقي
  صحيح أنه من المحتمل أن يكون هناك عالم ميتافيزيقي، والاحتمال المطلق لوجوده يكاد يكون غير قابل للدحض. نحن نرى الأشياء كلها من خلال رأسنا البشري، وليس باستطاعتنا أن نقطع هذه الرأس، بينما يظل السؤال المطروح مع ذلك: ما الذي سيتبقى من العالم لو أننا حقا قطعناها؟ وهذه على أية حال مسألة علمية محضة وغير مناسبة لكي تكون أمرا يؤرق الناس؛ غير أن ما جعل الفرضيات الميتافيزيقية  ذات قيمة لديهم ومرهوبة وممتعة، وما أوجدها إنما هو الهوى والخطأ ومغالطة النفس. إن أسوأ أنواع مناهج المعرفة على الإطلاق، وليست أفضلها هي التي علمتهم الاعتقاد فيها. وبمجرد أن يكشف المرء عن هذه المناهج كأساس لكل الديانات الموجودة وكل ضروب الميتافيزيقا، يكون قد دحضها. لكن، سيظل ذلك الاحتمال بوجودها قائما دائما، غير أنه سيكون عديم الفائدة، ناهيك عن أن يحق للمرء أن يجعل  سعادته وخلاصه وحياته معلقة بالخيوط الواهية لمثل هذا الاحتمال. ونحن لا نستطيع بالنهاية أن نقول شيئا عن العالم الميتافيزيقي سوى أنه كينونة مغايرة، كينونة أخرى ممتنعة عنا ومتعذرة على الفهم: سيكون إذن شيئا  ذا صفات سلبية. وحتى لو تمت البرهنة جيدا على وجود مثل هذا العالم، فسيكون من المؤكد مع ذلك أن هذه المعرفة ستكون  الأعدم فائدة من بين كل المعارف على الإطلاق، أعدم فائدة من ضرورة المعرفة بقوانين التحليل الكيميائي للماء بالنسبة لنوتي داخل إعصار.

                                     10
 الميتافيزيقا دون مفعول في المستقبل.
لمجرد أن يتم التوصل إلى تدقيق لنشأة الدين والفن والأخلاق بما يجعلنا قادرين على تفسيرها تفسيرا شاملا دون أن نلجأ إلى فرضية التدخلات الميتافيزيقية في بداية نشأتها أو خلال مسارها، سيكف الاهتمام بالمسألة النظرية المحض لـ"الشيء في ذاته" و"الظاهرة". ذلك أننا، ومهما كان الأمر، لن نلمس من خلال الدين والفن والأخلاق "جوهر العالم في ذاته"؛ إنما نظل في مجال التصور، وليس هناك من "حدس" بمستطاعه أن يمضي بنا أبعد. وباطمئنان تام سنتخلى السؤال عما يجعل صورة العالم التي لدينا تنفصل كل هذا الانفصال عن جوهر العالم المستنتَج بمحض تصور ذهني وندع أمره إلى الفيزيولوجيا وتاريخ تطور العضويات والمفاهيم. 

                                    11
اللغة كعلم مزعوم
 تكمن أهمية اللغة بالنسبة لتطور الحضارة في كون الإنسان قد أسس داخلها عالما خاصا به موازيا للعالم الآخر، موقعا كان يعده من المتانة بما يمكّنه من الاستناد إليه من أجل إجراء تغيير جذري على بقية العالم وتنصيب نفسه سيدا عليه. ولأن الإنسان ظل يعتقد على مر عصور طويلة في المفاهيم وأسماء الأشياء كحـقائق خالدة، فقد منح نفسه تلك الكبرياء التي سما بنفسه بواسطتها على مرتبة الحيوان: كان يعتقد حقا أنه استطاع بواسطة اللغة أن يكتسب معرفة العالم. ولم يكن صانع الكلام على قدر من التواضع كي يفكر بأنه إنما كان يمنح الأشياء مجرد تسميات، بل كان يتصور أنه يعبر عن العلم الأرقى بالأشياء من خلال الكلمات؛ في حين ليست اللغة في الواقع سوى الدرجة الأولى من مسار السعي إلى العلم. لقد كان الإيمان بالحقيقة المكتشفة هنا أيضا هو الأصل الذي انبثقت منه منابع الطاقة الأكثر قوة. وكان لابد أن يمضي وقت طويل، كي تلوح للناس بعديًّا -في عصرنا الحاضر- حقيقة الخطأ الهائل الذي ارتكبوه بترويج اعتقادهم في اللغة. ومن حسن الحظ أن جاء هذا متأخرا بما فيه الكفاية، كيما يكون من الممكن العودة إلى الوراء بمسار تطور العقل الذي تأسس على قاعدة هذا الاعتقاد. -حتى المنطق نفسه يقوم هو أيضا على فرضية ليس لها ما يوافقها في العالم الواقعي، مثل فرضية تساوي الأشياء، والهوية التي تكون للشيء الواحد في أوقات مختلفة من الزمن؛ غير أن هذا العلم قد نشأ عن الاعتقاد المعاكس(أن يكون هناك دون شك شيء مماثل في العالم الواقعي). والأمر لا يختلف بالنسبة للرياضيات، التي ما كان لها أن تنشأ لو أن الإنسان كان يعرف منذ البداية أن لا وجود في الطبيعة لخط مستقيم حقا، ولا لدائرة حقيقة، ولا لقياس مطلق.

                                    12                              

الحلم والحضارة
 الذاكرة هي الوظيفة الدماغية الأكثر عرضة للتأثر السلبي من خلال النوم، لا لأنها تتوقف كليا، لكنها تكون قد تقهقرت إلى حالة من الضعف تذكّرنا بما يمكن أنها كانت عليه في النهار وفي حالة الصحو لدى كل شخص في العصور البدائية للإنسانية. وبحكم ما تكون عليه من عسْف وتشويش، تجد نفسها تخلط بصفة مستمرة بين الأشياء بسبب التشابهات العابرة؛ لكن بواسطة العسف والتشويش نفسهما كانت الشعوب تؤلف أساطيرها، وإلى يومنا هذا مازال الرحالة والمسافرون يعاينون إلى أي مدى ينزع الإنسان المتوحش إلى النسيان، وكيف يشرع عقله في الترنح بعد فاصلة وجيزة من توتر الذاكرة، وفي التفوه في حالة من الإنهاك التام بالأكاذيب والسخافات. لكننا جميعنا نشبه في الحلم ذلك الإنسان المتوحش؛ فالتعرف المنقوص على الأشياء والمماثلات الخاطئة تكون سببا في سوء الاستنتاج الذي نلوم أنفسنا عليه في الحلم، حتى أننا نصاب بالذعر من أنفسنا عند الاستعادة الدقيقة لحلم من أحلامنا في الصحو، لكوننا ننطوي على هذا القدر غير القليل من الحماقة. إن الوضوح التام لكل التصورات الحالمة التي تكون مشروطة بضرورة الإيمان بحقيقيتها تذكرنا مجددا بحالات من أوضاع الإنسانية البدائية كان للهلوسة فيها حضور مكثف بشكل بالغ تستبد فيه بين الحين والآخر بمجموعات وشعوب بأكملها في نفس الوقت. هكذا إذن، نعيد في النوم وفي الحلم عمل الإنسانية العتيقة من أوله إلى آخره.


                                      13
منطق الحلم
في النوم يجد جهازنا العصبي نفسه في حالة دائمة من الإثارة تحت مفعول جملة من العوامل الداخلية المتنوعة، كل الأعضاء تقريبا تنفصل عن بعضها البعض فيما تظل نشطة، والدم يؤدي دورته الصاخبة، بينما وضعية النائم تضغط على بعض الأعضاء، وأغطيته تؤثر على إحساساته بطرق مختلفة، والمعدة تقوم بالهضم وتزعج بحركاتها بعض أعضاء أخرى، الأمعاء تتلوى، ووضعية الرأس تحدث حالات غير معتادة على العضلات، والقدمان الحافيتان ودون موطئ ارتكاز لها على الأرض تسبب شعورا بحالة غير معهودة، مثلها مثل لباس النوم المختلف، كل هذه الأشياء، وبحسب التغيير اليومي ودرجة ذلك التغيير، تهيّج مجمل الجهاز العصبي بما في ذلك الوظيفة الدماغية؛ وبذلك يكون للعقل ألف داع إلى التعجب وإلى البحث عن أسباب هذا التهيج؛ لكن سيكون الحلم هو نفسه البحث وتصوّر الأسباب لهذه الإحساسات المتهيّجة، يعني الأسباب المتخيَّلة طبعا. فالذي يضع قيدين حول قدميه مثلا، سيرى نفسه يحلم بأن ثعبانين يلتفان على قدميه: يكون ذلك في البداية افتراضا، ثم يتحول إلى اعتقاد راسخ مع ما يرافق ذلك الاعتقاد من تصور مجسِّد وتمثّل ذهنيّ: "هذان الثعبانان هما بالتأكيد سبب الإحساس الذي أشعر به أنا النائم"، -هكذا يحكم عقل النائم. ويتحول الماضي القريب المستنتَج على هذا النحو إلى حاضر لديه من خلال خياله المهيَّج. كلنا يعرف عن تجربة بأية سرعة يقحم الحالم صوتا حادا يتناهى إليه، مثل طلقات مدفع أو قرع أجراس، داخل حلمه، أي أنه يفسّر الأشياء من خلاله بعديًّا، بما يجعله  يتصور أنه قد عاش الظروف المسبِّبة أولا ثم ذلك الصوت. –ما الذي يجعل عقل الحالم يذهب إلى الخطإ دائما، بينما يكون ذلك العقل نفسه في اليقظة متحفظا جدا وحذرا جدا، وعلى قدر كبير من الريبة في ما يتعلق بالافتراضات؟ ما الذي يجره إلى الخطأ مما يجعله يرضى بأول فرضية تخطر له لتفسير إحساس ما، ويغدو فورا مؤمنا بحقيقتها؟ (لأننا في الحلم نؤمن بالحلم كما لو كان واقعا، أي أننا نقبل بفرضيتنا أمرا مبرهنا على صحته تماما). – ما أعنيه: إن الطريقة التي يستنتج بها المرء في الحلم اليوم هي تلك الطريقة نفسها التي ظلت الإنسانية تستنتج بها في اليقظة على مدى قرون طويلة: كان الإنسان يكتفي بأول سبب يخطر على ذهنه لتفسير شيء يحتاج إلى تفسير، ويعتبره حقيقةً. (وعلى هذا النحو ما زال يتعامل البدائيون اليوم، حسب ما يرد في روايات الرحالة والمسافرين). في الحلم يظل هذا الجزء العتيق من الإنسانية يواصل عمله فينا، ذلك أنه القاعدة التي تطور على أساسها العقل الراقي وما انفك يتطور لدى كل منا: يحملنا الحلم إلى أحوال بعيدة من ماضي الحضارة الإنسانية ويضع في يدنا أداة لفهمها فهما أفضل. وإذا ما بدا لنا التفكير الحُلمي الآن سهلا فذلك لكوننا وعلى مدى حقب طويلة من مسيرة تطور الإنسانية، قد تم ترويضنا جيدا على مثل هذا الشكل من التفسير المتخيَّل البخس المستمد من الخاطرة الأولى التي تمنح نفسها لنا. وبهذا يكون الحلم فاصلة استراحة للعقل الذي لديه في اليقظة ما يكفي من إلزامات التفكير المجهدة من ذلك الصنف الذي تتطلبه حضارة متطورة. هناك ظاهرة مشابهة في الصحو  يمكننا أخذها في الاعتبار كبوابة ورواق للحلم: عندما نغمض عينينا ينتج الدماغ عددا من الانطباعات الضوئية والألوان كنوع من ترديد ورجع صدى لكل المفاعيل الضوئية التي تقتحمه نهارا. غير أن العقل(وبتواطؤ مع المخيّلة) سيحول هذه المفاعيل الضوئية غير المتشكّلة فورا إلى أشكال وصور محددة ومناظر طبيعية ومجموعات حية. ومحصّل ما يحدث هنا هو مرة أخرى ضرب من استنتاج السبب من النتيجة؛ وفيما يتساءل العقل: من أين تأتي هذه الانطباعات الضوئية والألوان؟ يفترض كأسباب لها تلك الأشكال والصور التي يرى فيها الشروط المحدّدة لتلك الألوان والأضواء، لأنه معتاد في حالة اليقظة وبعينيه المفتوحتين أن يرد كل لون وكل انطباع ضوئي إلى سبب محدِث. هنا تظل المخيلة تمده بصفة متواصلة بصور تستند في إنتاجها على الانطباعات البصرية الحاصلة لديه نهارا، وعلى هذا النحو بالضبط يشتغل الخيال الحُلمي: أي أن العلة المفترضة تستخلص من النتيجة، ويتم تصورها تبعا للنتيجة: كل ذلك يحدث بسرعة فائقة مما يُحدث، كما يحصل أمام ألعاب ساحر، تشويشا في التمييز وتعاقبا يتخذ هيأة تزامن، بل هيأة تعاقب في اتجاه معكوس أيضا.                                          
يمكننا أن نستخلص انطلاقا من هذه العمليات الاستنتاجية أن التفكير المنطقي الدقيق والتمييز الصارم بين العلة والسبب لم تتطور إلا في مرحلة  متأخرة جدا، طالما أن عقلنا والوظائف الذهنية لدينا ما تزال إلى اليوم تعتمد تلك الأشكال الاستنتاجية البدائية، وأننا نقضي ما يقارب النصف من حياتنا على هذا الحال. إن الشاعر الفنان يردّ هو أيضا حالاته النفسية وأحواله إلى أسباب ليست حقيقية على الإطلاق؛ إنه يذكرنا في ذلك بالإنسانية العتيقة ويمكنه بالتالي أن يساعدنا على فهمها.

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا