الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة





في العقود الأخيرة، ازداد انتشار صورة إيرانية الأصل للإمام علي بن أبي طالب في الوسط الشيعي اللبناني. وفي تخميني أن الظاهرة نفسها تعاظمت في أوساط الشيعة العرب الأخرى أيضاً ولكن لا دليل عندي على ذلك. وقد شاهدتُ مؤخّراً صورةً لمتجرٍ في سوقٍ من أسواق دمشق القديمة تُعْرض فيه هذه الصورة.




والواقع أنها صُوَرٌ عدّة تختلف الواحدة عن الأخريات بالخلفية أو بزاويةِ ظهور الوجه أو بدرجةِ ظهور الشَيْب في اللحية أو بظهور الحَسَنَيْن وهما طفلان مع والدهما أو بظهور ذي الفقار على ركبتي الإمام أو بتفاصيلَ أخرى. ولكن الملامح الأساسية للوجه واحدة. وهي ملامح قفقاسية، ليس فيها شيءٌ عربيّ أو ساميّ. وهي تجعل الإمام بيِّنَ الوَسامة، شبيهاً، إلى هذه الدرجة أو تلك، بهذا أو ذاك من نجوم الشاشة الغربيين. وأكثرُ من تخطر لي صورتُه، حين أنظر إلى هذه الصور، (وقد أكون واهماً) هو النجم الأميركي الراحل روك هدسون.

وأذكر، من أيام صباي، أن هذه الصورة كانت نادرة الظهور جدّاً في ديارنا الشيعية. وكان من البيوت التي كنت أشاهدها فيها بيتُ جدّتي لوالدتي وكانت... إيرانيةَ الأصل ويُحتمل أن تكون قد ورثَتْها عن والدها.

وأما الرأيُ السائد عندنا، في تلك الأيام، فكان أميَلَ إلى اعتبار تصوير النبي والأئمة مكروهاً إن لم يكن محرّماً. وكان في هذا الموقف مظهرٌ من مظاهر القُرْب الكثيرة بين سنّة بلاد الشام وشيعتها.

وينمّ الانتشارُ الجديد لتصوير الإمام، فضلاً عن الأثر الإيراني، على حاجةٍ مستحدثة إلى تجسيم الرموز وشَخْصَنَتِها. ففي اعتماد الصورة (بنفوذها الغلّاب في أيّامنا، بخاصّة) تقديمٌ للإمام على الإمامة: أي للشخص على المعنى. فيما يشير مَنْعُ التجسيم أو التصوير إلى الموقف المعاكس.

ولهذا التقديم المستجدّ وظيفة جديدة هي تكثيف التعلّق الجماعي بشخصٍ حسّي. وهذا أقربُ إلى تشديد اللُحْمة العصبية في صفوف العوامّ وإلى اصطناع وَحْدةٍ انفعالية لا تخلو من شَبَهٍ بتلك التي تَحْصل في ما باتَ يُسمّى في عصرنا "عبادة شخصيّةِ الزعيم".

وما من ريبٍ أن صيغة التجسيم هذه مظهرٌ من مظاهر الميل في الجماعة إلى تحريم الخلاف في صفوفها وإلى منع تعدّد الميول والآراء. وذاك أن المعنى المُدْرَجَ في الكلام هو ما يَسْتَدْرِج الخلاف ويَقْبله. وأما الشخص-القائد الذي يستوي وجهاً وجسداً فلا يُقْبَل منه وله بما هو أقلُّ من الإجماع.

بقيَ أن نشير إلى أن كتبَ التاريخ الإسلامي التي رَوَت سيرةَ الإمام علي ونَقَلَت إلينا صفاتِه لم تُهْمل أوصافَه الجسمانية بل فَصّلَتْها بعنايةٍ تامّة. وما جاء فيها، لهذه الجهة، ليس فيه أدنى شَبَهٍ بالصورة المنتشرة في أيامنا. هذا، مثَلاً، ما يُثْبِتُه المؤلِّف المشهور أبو الفرج الأصفهاني في كتابه "مَقاتل الطالبيين" وهو كتابٌ ينبُض بحبّ عميق لعليّ وذريّته: "وكان عليه السلام أسمرَ مربوعاً وهو إلى القِصَرِ أقربُ، عظيمُ البطن، دقيقُ الأصابع غليظُ الذراعين، حَمْشُ الساقين، في عينيهِ لِينٌ، عظيمُ اللحية، أصْلعُ، ناتئ الجبهة."

وهذا وصفٌ يعود إلى بعضه عزّ الدين بن أبي الحديد شارحُ "نهج البلاغة" إذ يقول في العَيْنيّة التي مَدَح بها الإمام مخاطباً مَثْواه:

فيكَ الإمامُ المُرْتَضى فيكَ الوَصيّ المُجْتَبى فيكَ البَطينُ الأنزعُ

و"البَطين" هو العظيمُ البطن و"الأنزعُ" من انكشف الشعر عن جانبي جبهته و"حَمْشُ الساقين" (في كلام الأصفهاني) دقيقُهما.

فتأمّل















0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top